مقالات

كمال صالح الكاهلي يكتب..حول المظاهر العسكرية في العاصمةهيبة الدولة.. ضرورة حتمية لعودة الحياة ولكن تكون بسيادة القانون

الأصل في كل دول العالم، حتى تلك التي تخوض حروباً، أن مسؤولية الأمن الداخلي وحفظ النظام تقع على عاتق وزارة الداخلية، بأجهزتها المعروفة: الشرطة والأمن. أما القوات المسلحة فمهمتها الدستورية حماية الحدود ورد العدوان الخارجي

اليوم نحن في السودان أمام مفترق طرق. ولتطبيع الحياة في المدن واستعادة الثقة، نحن في أشد الحوجة لسحب كافة القوات العسكرية بمختلف مسمياتها من داخل الأحياء والأسواق، وإحلال قوات الشرطة في الارتكازات والمرافق الهامة.

رسالة خاطئة للعالم وجود المظاهر العسكرية في شوارع العاصمة لا يطمئن المواطن، ولا يشجع الأجنبي الزائر من المنظمات الدولية، ولا السفارات على العودة لاستئناف أعمالها الدبلوماسية. العواصم المستقرة يحرسها رجال الشرطة، لا المدرعات.
بكل أسف، بعض منتسبي التشكيلات العسكرية يتعاملون مع المواطن في نقاط التفتيش بطريقة فظة تنفره. هذا السلوك يخلق جفوة خطيرة وشرخاً في العلاقة بين الشعب ومؤسسته العسكرية التي يُفترض أن تكون محل فخره وحمايته.

في ذات الوقت يمكن القول ان خلط الاختصاصات يضعف الدولة عندما يقوم الجيش بمهام الشرطة، تضعف الشرطة وتفقد هيبتها. وعندما تنشغل القوات المسلحة بالأمن الداخلي، تضعف جاهزيتها لمهمتها الأساسية في حماية الحدود. النتيجة: دولة بلا هيبة داخلية ولا خارجية.
لكن التجربة والمنطق يقولان: بغير إخلاء العاصمة من كافة الارتكازات والمظاهر العسكرية لن تطبع الحياة، ولن تعود البعثات الدبلوماسية، ولن تدور عجلة الاستثمار.

فالمطلوب خطة واضحة ومرحلية أن يقتصر وجود القوات المسلحة على تأمين حدود المدن الخارجية والمواقع الاستراتيجية فقط، إذا اقتضت الضرورة الأمنية ذلك. وداخل المدن، يُسلم الملف بالكامل للشرطة الي جانب تمكين الشرطة فوراً
النظرة العامة للأمن في العاصمة والولايات الآمنة مطمئنة جداً، وهذا يؤكد جاهزية الشرطة. المطلوب هو التخطيط العاجل لاستبدال القوات العسكرية بقوات الشرطة، مع دعم وزارة الداخلية لوجستياً ومعنوياً ومادياً. حتى لو تطلب الأمر أن يساهم المواطنون بحر مالهم في دعم هذا الجهاز السيادي الهام.
مع ضرورة تفعيل الشرطة المجتمعية الدعوة مقدمة لأبناء الأحياء والمدن الآمنة لتحمل مسؤولياتهم في دعم وتشكيل لجان الشرطة المجتمعية بمناطقهم، تحت إشراف وزارة الداخلية. الأمن مسؤولية تضامنية.

يجب أن نعي حقيقة بسيطة: إذا لم يتوفر الأمن والاستقرار، لن تنطلق المشاريع الكبرى، وخاصة الاستثمارات الأجنبية التي نعول عليها لدعم الاقتصاد الوطني وتحقيق رفاهية الشعب. رأس المال جبان، ولا يدخل مدينة فيها مظاهر عسكرة.

من المؤكد ان هيبة الدولة لا تُفرض بفوهات البنادق في الشوارع، بل تُفرض بسيادة القانون. وسيادة القانون يمثلها شرطي المرور الذي ينظم السير، والمحقق الذي يضبط الجريمة، ورجل الأمن الذي يحمي المواطن. هيبة الدولة تبدأ من هيبة شرطتها في الشارع.
عودة الشرطة إلى مكانها الطبيعي ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة حتمية لبقاء الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى