مقالات

م. نهيض محمد نهيض يكتب.. حوار أديس أبابا بين البحث عن شرعية معلبة ومحاولة إعادة تدوير الأزمة

حوار أديس أبابا بين البحث عن شرعية معلبة ومحاولة إعادة تدوير الأزمة

🖋️بقلم: نهيض محمد نهيض صالح

في الوقت الذي يخوض فيه الشعب السوداني واحدة من أعقد المعارك في تاريخه الحديث دفاعاً عن الدولة الوطنية ووحدة البلاد، شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لقاءً جمع ما يُعرف بالخماسية مع تحالف التأسيس وبعض القوى والأحزاب السياسية السودانية. وقد أثار هذا اللقاء تساؤلات واسعة حول أهدافه الحقيقية وتوقيته والجهات المستفيدة منه، خاصة في ظل التطورات الميدانية المتسارعة التي تشهد تراجعاً واضحاً للقوى المرتبطة بالتمرد المسلح.
إن جوهر الأزمة في هذا اللقاء لا يتعلق بمبدأ الحوار في حد ذاته، فالحوار يظل أحد أهم أدوات العمل السياسي، وإنما يتعلق بالسياق الذي يجري فيه، والأطراف التي تسعى إلى رعايته، والأهداف التي يُراد تحقيقها من خلاله.
فالكثير من السودانيين ينظرون إلى هذا الحراك باعتباره محاولة لإعادة تأهيل قوى فقدت رصيدها الشعبي والسياسي بسبب ارتباطها بمواقف واصطفافات أثارت جدلاً واسعاً خلال فترة الحرب.
لقد دفعت البلاد ثمناً باهظاً من الدماء والدمار والنزوح والانهيار الاقتصادي، وأصبح من الصعب على الرأي العام السوداني تقبل أي محاولة لتجاوز هذه الحقائق أو القفز فوق معاناة الضحايا. ولذلك فإن أي مشروع سياسي لا ينطلق من الاعتراف الكامل بحجم الكارثة الوطنية ومسؤولياتها المختلفة سيواجه أزمة ثقة حقيقية مع الشارع السوداني.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن أخطر ما يترتب على مثل هذه اللقاءات هو محاولة صناعة شرعية سياسية خارج الإرادة الوطنية، وكأن مستقبل السودان يمكن أن يُرسم في العواصم الأجنبية بعيداً عن أصحاب المصلحة الحقيقيين داخل البلاد.
فالتجارب السودانية المتعاقبة أثبتت أن الحلول المستوردة مهما حظيت بالدعم الخارجي تظل عاجزة عن تحقيق الاستقرار إذا لم تستند إلى قبول شعبي واسع وإجماع وطني حقيقي.
كما أن مشاركة بعض الأحزاب والكتل السياسية في مثل هذه اللقاءات تضعها أمام اختبار صعب يتعلق بمدى ارتباطها بقضايا الجماهير وتطلعاتها. فالقوى السياسية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بإثبات استقلال قرارها الوطني، والابتعاد عن أي مسارات قد تُفهم باعتبارها سعياً للحصول على السلطة عبر التفاهمات الخارجية بدلاً من التفويض الشعبي المباشر.
إن السودان يحتاج إلى مشروع وطني جامع، لا إلى مشاريع مهترئة تُدار من الخارج. ويحتاج إلى حوار سوداني ـ سوداني حقيقي يُعقد على أرض السودان، تشارك فيه القوى الوطنية والمجتمعية والإدارات الأهلية والنقابات والفعاليات الشبابية والنسوية، بعيداً عن أي ضغوط أو أجندات إقليمية أو دولية.
كما أن مبدأ التداول السلمي للسلطة يجب أن يبقى أساس أي ترتيبات سياسية مستقبلية. فلا شرعية دائمة لأي حزب أو تحالف أو جماعة إلا عبر الإرادة الشعبية وصناديق الاقتراع. أما محاولات فرض النخب السياسية عبر الرعاية الخارجية أو التفاهمات المغلقة فلن تؤدي إلا إلى إنتاج أزمات جديدة وتعميق الانقسام الوطني.
لقد أثبتت هذه الحرب أن الشعب السوداني قدم تضحيات جسيمة دفاعاً عن وطنه وسيادته ووحدته.
ومن حقه أن يكون صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد مستقبل بلاده، وأن يرفض أي وصاية خارجية أو محاولات لفرض قيادات أو تحالفات لا تستمد مشروعيتها من الداخل السوداني.
إن الطريق إلى السلام والاستقرار لا يمر عبر مؤتمرات الخارج، بل عبر مشروع وطني خالص يعترف بالتضحيات، ويحترم السيادة الوطنية، ويحتكم إلى إرادة الشعب، ويؤسس لدولة القانون والمؤسسات.
فالسودان أكبر من أن يُختزل في صفقات سياسية مؤقتة، وأعظم من أن يُدار بإرادة غير إرادة أبنائه.
وسيظل المبدأ ثابتاً: لا شرعية إلا للشعب، ولا مستقبل للسودان إلا بإرادة السودانيين أنفسهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى