مقالات

مهندس نهيض محمد نهيض يكتب.. تفعيل المقاومة الشعبية والتوافق الوطني… معادلة حسم المرحلة وبناء الدولة

تشهد الساحة السودانية مرحلة مفصلية تتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، لتدخل مرحلة إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية للدولة. فالتحدي لم يعد يقتصر على استعادة السيطرة على الأرض، بل يمتد إلى تثبيت الاستقرار، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة بين المجتمع والدولة، بما يضمن عدم عودة مظاهر الفوضى والانقسام.
وفي هذا السياق، فإن ولايات كردفان ودارفور تمثلان بعداً استراتيجياً في مستقبل السودان، ليس فقط بحكم موقعهما الجغرافي واتساع مساحتهما، وإنما لكونهما تمثلان بوابة الاستقرار في غرب البلاد، ومفتاحاً لإعادة الإعمار، واستعادة النشاط الاقتصادي، وربط السودان بعمقه الإقليمي.
ومن هنا تبرز أهمية تفعيل المقاومة الشعبية المنظمة في إطار القانون وتحت إشراف مؤسسات الدولة، بما يسهم في دعم الاستقرار المحلي، والمشاركة في حماية المجتمعات، وتأمين المرافق العامة، والمساهمة في الإغاثة وإعادة الخدمات الأساسية.
إن نجاح أي عملية لاستعادة الاستقرار لا يتحقق بالجهد الرسمي وحده، بل يحتاج إلى شراكة مجتمعية واعية تعزز قدرة الدولة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وترسخ سيادة القانون.
غير أن البعد العسكري أو الأمني وحده لا يكفي لضمان استدامة الاستقرار.
فالتجارب تؤكد أن الانتصارات الميدانية، مهما كانت كبيرة، تحتاج إلى مشروع سياسي قادر على تحويل المكاسب إلى سلام دائم ومؤسسات فاعلة.
لذلك، فإن بناء توافق وطني واسع بين القوى السياسية والمجتمعية والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني يعد ضرورة استراتيجية لتجاوز آثار الحرب وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التنمية.
ويقتضي هذا التوافق صياغة رؤية وطنية مشتركة تقوم على احترام سيادة الدولة، وتعزيز المشاركة السياسية، وترسيخ العدالة وسيادة القانون، بما يعيد الثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم.
كما أن إعادة الإعمار لا تعني تشييد البنية التحتية فحسب، بل تشمل إعادة بناء رأس المال الاجتماعي، ومعالجة آثار النزوح، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة الخدمات والاستثمار.
وفي الوقت نفسه، تفرض المرحلة الحالية ضرورة إصلاح الإدارة المحلية، وتمكينها من أداء دورها في تقديم الخدمات، وإدارة الموارد، والاستجابة السريعة لاحتياجات المواطنين، لأن قوة الدولة تقاس بقدرتها على الوصول إلى الأطراف بنفس الكفاءة التي تصل بها إلى المركز.
إن مستقبل السودان لن تحدده نتائج الميدان وحدها، بل سيحدده أيضاً نجاح مشروع سياسي جامع يحول التضحيات إلى استقرار دائم، ويؤسس لمشروع وطني يقوم على الشراكة والمسؤولية وسيادة القانون.
فالتوافق الوطني ليس تنازلاً عن المبادئ، بل هو استثمار في مستقبل الدولة، وحماية لوحدتها، وضمان لاستمرار مؤسساتها.
لقد أثبتت الأزمات أن الدول لا تبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بالشعارات وحدها، وإنما تبنى بتكامل الأمن مع السياسة، وبالشراكة بين الدولة والمجتمع، وبقدرة المؤسسات على خدمة المواطنين بعد انتهاء الصراعات. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجعل من الاستقرار، والتنمية، والتوافق الوطني، الركائز الأساسية لبناء سودان آمن وموحد وقادر على مواجهة تحديات المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى