محمد أحمد كباشي يكتب.. من الضحية القادم؟
قطع شك
محمد أحمد كباشى
من التالي؟
لم يعد السؤال: من قتل أحمد عوض الله الشاب الذي خرج من بيته امنا مطمئنًا قبل أن يعود جثة هامدة ؟
الشرطة قامت بواجبها، وتحركت باحترافية حتى ألقت القبض على المتهمين، واستعادت السيارة، ووضعت القضية أمام العدالة.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يشغل الدولة هو: من التالي؟
لأن أحمد ليس الأول.
وقبله لم يكن ابن الكواهلة عبد الفتاح عبد الغفار الأخير.
وغداً – لا قدر الله – قد يكون الضحية من أي قبيلة.. (هنا لا نؤطر للقبيلة) .. ، أو أي مدينة، أو أي أسرة سودانية .
هذه ليست قضية بني جرار، ولا الكواهلة، ولا غيرهما. إنها قضية وطن بدأت تتسع فيه مساحة الخوف، حتى صار المسافر يودع أهله وكأنه ذاهب إلى المجهول.
أخطر ما في هذه الجرائم أنها لم تعد تعتمد على التخفي، بل تستغل الزي العسكري، وهو رمز هيبة الدولة. وعندما يخاف المواطن ممن يرتدي هذا الزي، فإن الخطر لا يكون على المواطن وحده، بل على صورة الدولة نفسها.
لا أريد أن أقول إن الدولة غائبة، لأن الدولة موجودة بمؤسساتها، والشرطة أثبتت في هذه القضية أنها قادرة على الوصول إلى الجناة. لكن الدولة مطالبة اليوم بأكثر من كشف الجرائم؛ مطالبة بمنع وقوعها أصلاً.
فالنجاح الحقيقي ليس في سرعة القبض على القاتل فقط ، وإنما في أن لا يجد القاتل فرصة لارتكاب جريمته.
هيبة الدولة لا تُقاس بعدد البيانات، ولا بعدد نقاط الارتكاز المنتشرة في المحليات ، وإنما تُقاس عندما يخرج المواطن من منزله وهو واثق أنه سيعود إليه آمناً.
اليوم لا يحتاج الناس إلى كلمات تطمئنهم، بل إلى قرارات تعيد الانضباط، وتحصر السلاح في يد الدولة، وتمنع استغلال الزي العسكري، وتحول دون وقوع تفلتات يقوم بها منسوبين للمشتركة وغيرها وتجعل كل من يفكر في الاعتداء على الناس يدرك أن القانون أسرع إليه من جريمة ينوي ارتكابها.
قطع شك..
الاختبار الحقيقي للدولة عندما تقع الجريمة، وإنما تُختبر عندما تمنع تكرارها. أما إذا أصبح السؤال بعد كل حادثة: من التالي؟ فهذه ليست أزمة قبيلة… بل أزمة دولة يجب أن تستعيد هيبتها قبل أن تتسع دائرة الألم واظن بلادنا لا تحتمل مزيد من الضعف والهوان ( والرخرخة) في مواجهة اي مهدد مهما كان حجمه فهل من مصيبة اكبر مما تواجهه البلاد من أزمة ضمير العالم تجاه فظائع المليشيا؟






