محمد أحمد كباشي يكتب.. أزمة التعليم بكسلا وصمت المركز

قطع شك
أزمة التعليم بكسلا وصمت المركز
محمد أحمد كباشي
شاهدت مقطع فيديو متداولاً لمدير مدرسة ابتدائية بولاية كسلا، يحمل “كوريكاً” إلى جانب عامل آخر، يعملان في تحميل الخرسانة على متن شاحنة مقابل أجر يومي، بعدما ضاقت به السبل، فاختار عملاً شاقاً بحثاً عن رزق حلال.
ولم يكن ذلك المشهد استثناءً. ففي أحد أسواق كسلا، رأيت وكيلاً لإحدى المدارس يجلس خلف طاولة صغيرة يعرض عليها بعض المواد التموينية، بعد أن دفعته ظروف المعيشة إلى دخول السوق لتوفير لقمة العيش لأسرته.
وعلى مقربة منه، التقيت معلماً للغة العربية قرر مغادرة مهنة التدريس بلا رجعة، وقال بمرارة إن الدولة “لم تعد تعترف بقيمة المعلم”.
هذه ليست حكايات فردية، بل مؤشرات على أزمة يعيشها قطاع التعليم الحكومي بولاية كسلا.
فالعام الدراسي دخل شهره الثاني، بينما لا تزال الدراسة متوقفة في المدارس الحكومية بسبب إضراب المعلمين، الذين يطالبون بتحسين أجورهم وصرف استحقاقاتهم المالية في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة. ويقول معلمون إن أعلى راتب للدرجة الأولى، بعد أكثر من أربعين عاماً من الخدمة، لا يتجاوز (160) ألف جنيه، بينما تعود آخر زيادة في الرواتب إلى ما قبل اندلاع حرب 15 أبريل.
وتشمل مطالب لجنة المعلمين صرف متأخرات الحوافز والبدلات، وتنفيذ تعديلات الرواتب لعامي 2025 و2026، وزيادة بدل الوجبة، إلى جانب صرف بدلات اللبس والاستحقاقات الأخرى المتأخرة.
في المقابل، يرى المعلمون أن الحكومة تتعامل مع الأزمة ببطء، وأن الحلول التي طُرحت حتى الآن لم تعالج جذور المشكلة.
من بين تلك المقترحات، الدعوة إلى فرض مساهمة قدرها (20) ألف جنيه على أولياء أمور التلاميذ، مع استثناء أبناء المعلمين وأسر الشهداء وبعض الحالات الاجتماعية. غير أن المقترح قوبل برفض واسع، كما رفضته لجنة المعلمين، معتبرة أن دفع مرتبات المعلمين مسؤولية الدولة وليس المواطنين.
كما طُرح مقترح آخر يقضي بزيادة الرسوم على بعض السلع الاستهلاكية لتمويل استحقاقات المعلمين، إلا أن معلمين رأوا أن ذلك سيضيف أعباءً جديدة على المواطنين الذين يواجهون أصلاً ظروفاً اقتصادية بالغة الصعوبة.
ويبقى السؤال: أين تذهب عائدات استثمارات وزارة التربية والتوجيه؟ وأين تذهب أموال صندوق دعم التعليم؟ وهل جرى توظيف هذه الموارد لمعالجة الأزمة قبل أن تصل إلى مرحلة شلل العملية التعليمية؟
والسؤال الأكثر إلحاحاً: من يتحمل مسؤولية بقاء آلاف التلاميذ خارج الفصول الدراسية، في وقت تتواصل فيه الدراسة بالمدارس الخاصة؟ ومن يحمي الأطفال الذين دفعتهم ظروف التوقف إلى الأسواق والأعمال الشاقة بدلاً من مقاعد الدراسة؟
إن استمرار الأزمة لا يهدد عاماً دراسياً فحسب، بل يهدد مستقبل جيل كامل. ومع كل يوم يمر دون حل، تتسع الفجوة بين التعليم الحكومي والخاص، وتتراجع فرص آلاف الأطفال في الحصول على حقهم الأساسي في التعليم.
وفي نهاية المطاف، تبقى المسؤولية السياسية والإدارية عن معالجة هذه الأزمة على عاتق الجهات المختصة، وفي مقدمتها وزارة التربية والتعليم الاتحادية وحكومة ولاية كسلا، اللتين تقع عليهما مسؤولية إعادة المعلم إلى الفصل، والطالب إلى مقعده الدراسي، قبل أن يصبح إنقاذ العام الدراسي مهمة مستحيلة.






