شاذلية العشا تكتب.. الخرطوم تصنع لحظة المكاشفة الكبري

الخرطوم تصنع لحظة المكاشفة الكبرى
✍🏻 بقلم شاذلية العشا
في منعطفات التاريخ الحاسمة لا تصنع الأمم حضورها بخطابات العاطفة ولا تفرض مكانتها عبر المجاملات الدبلوماسية العابرة وإنما حين تقف بثبات أمام العالم وتضعه وجهاً لوجه أمام الحقيقة كما هي بلا رتوش ولا مواربة
هكذا جاءت زيارة النائب الفرنسي كريستوفر ماريون إلى السودان في توقيت بالغ الحساسية لتشكل حدثاً سياسياً لافتاً وتفتح نافذة جديدة يطل منها المجتمع الدولي على المشهد السوداني بعيداً عن الضباب الكثيف الذي تراكم فوقه لسنوات
لم تكن الخرطوم تستقبل مسؤولاً أوروبياً يؤدي واجباً بروتوكولياً عابراً بل كانت تقدم شهادة وطن ينزف ويصر رغم جراحه على أن يسمع العالم صوته وأن يضع أمامه حقيقة ما جرى بلا تزييف ولا اجتزاء
في تلك اللحظة لم تكن القاعة مجرد مساحة للقاء سياسي بل كانت مسرحاً مفتوحاً لذاكرة الألم الإنساني وكانت الكلمات التي خرجت من أفواه الناجين أثقل من كل التقارير وأبلغ من كل البيانات لأنها حملت وجعاً حقيقياً لا يمكن للضمير الإنساني أن يتجاوزه أو يتعامى عنه
وحين تحدث النائب الفرنسي عن جرائم تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية في دارفور فإنه لم يكن يطلق توصيفاً سياسياً عابراً بل كان يضع المجتمع الدولي أمام لحظة مكاشفة تاريخية تفرض عليه مراجعة مواقفه والانتقال من مربع الرصد البارد إلى ساحة الفعل المسؤول
ذلك التوصيف حمل في جوهره إدانة واضحة لصمت دولي طال أمده حتى تحول إلى عبء أخلاقي ثقيل على ضمير الإنسانية
ففي الجنينة والفاشر وود النورة والخرطوم ارتسمت المأساة على وجوه الأبرياء وكتبت تفاصيلها بالنار والدم حيث أحرقت القرى وشردت الأسر وانتزعت الطفولة من عيون الأطفال وحملت النساء ذاكرة الفقد في صمت موجع لا يملك العالم أمامه إلا أن يصغي أو يسقط أخلاقياً إلى الأبد
وفي خضم هذه المكاشفة جاءت كلمات حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي حاسمة وواضحة حين أكد أن السلام لا يكتب بالحبر السياسي وإنما تصنعه العدالة وتحرسه المحاسبة وأن أي حديث لا يستند إلى رد الحقوق وتأمين المدنيين ليس سوى صدى بلا أثر
كما حملت تصريحات وزير المالية جبريل إبراهيم رسالة دولة تعرف أن الأوطان لا تستعاد بالمساومات ولا تبنى بالتنازلات وإنما بثبات الإرادة الوطنية وصلابة القرار السيادي
السودان اليوم لا يطلب تعاطفاً عابراً ولا ينتظر شفقة مؤقتة بل يخاطب العالم بلغة الحق ويفتح أمامه سجل الوقائع كما هي لتتشكل بين صوت الخرطوم وإصغاء أوروبا لحظة فارقة قد تعيد ترتيب المشهد الدولي تجاه الأزمة السودانية
فالحقيقة حين تنهض من بين الركام تصبح أقوى من كل محاولات الطمس وصوت الضحايا حين يبلغ المنابر الحرة يتحول إلى قوة لا يستطيع العالم تجاهلها
وها هي الخرطوم تكتب رسالتها الأخيرة بمداد الصبر والكبرياء وتؤكد للتاريخ أن العدالة قد تتأخر لكنها لا تغيب أبداً.






