مهندس نهيض محمد نهيض يكتب.. السياسة بين الولاء الوطني وحماية الدولةحين تتحول النخبة إلى تهديد للأمن القومي

✍️ بقلم: المهندس نهيض محمد نهيض صالح
في اللحظات التاريخية الفاصلة، لا تُقاس مواقف السياسيين والنخب بارتفاع أصواتهم في المنابر، ولا بكثرة شعاراتهم، وإنما تُقاس بقدرتهم على إدراك طبيعة اللحظة الوطنية، والتمييز بين الخلاف السياسي المشروع وبين المواقف التي تمس سيادة الدولة وأمنها ووحدتها ومصالحها الاستراتيجية العليا.
إن السودان اليوم أمام اختبار وطني وتاريخي بالغ الخطورة؛ اختبار لا يتعلق فقط بمن يملك السلطة، وإنما بالسؤال الأكبر: هل تبقى الدولة السودانية دولةً ذات سيادة، أم تتحول إلى ساحة مفتوحة للمشروعات الخارجية وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية؟
ومن هنا، فإن التعامل مع المشهد السوداني يجب أن ينطلق من قاعدة أساسية: السودان دولة، والدولة لها سيادة، ولها مصالح وطنية عليا، ولها أمن قومي، ولها مؤسسات مسؤولة عن حماية وجودها واستقرارها.
أولاً: المصلحة الوطنية العليا فوق المصالح الحزبية
في الدول الحديثة، توجد قضايا لا ينبغي أن تكون محل مساومة سياسية أو حزبية، وفي مقدمتها سيادة الدولة، ووحدة أراضيها، واستقلال قرارها الوطني، وسلامة مؤسساتها، وأمن مواطنيها، ومنع تحويل البلاد إلى منصة للتدخل الخارجي.
الخلاف حول إدارة الدولة حق أصيل لكل القوى السياسية، والنقد والمحاسبة والمعارضة السلمية حقوق مشروعة، لكن هذه الحقوق لا ينبغي أن تتحول إلى غطاء لتبرير الاعتداء على الدولة أو الاستقواء بالخارج أو التعاون مع أي قوة مسلحة تهدد وحدة البلاد.
فالسياسة الوطنية الحقيقية ليست أن تنتصر على وطنك من أجل أن تنتصر على خصمك السياسي.
والسياسي الذي يختلف مع مؤسسات الدولة يمكنه أن يعارضها، وينتقدها، ويطرح البدائل، ويخوض معركته عبر الوسائل السياسية والقانونية؛ أما أن يجعل من الخارج مرجعية، أو يمنح شرعية لمشروع يستهدف تفكيك الدولة، فهنا تنتقل القضية من الخلاف السياسي إلى قضية تمس الأمن القومي.
ثانياً: ما الأمن القومي؟
الأمن القومي ليس مجرد حماية الحدود أو امتلاك السلاح، بل هو منظومة متكاملة تشمل حماية الدولة والمجتمع والاقتصاد والموارد والسيادة والهوية والنظام العام والقرار الوطني من التهديدات الداخلية والخارجية.
وتهديد الأمن القومي لا يأتي بالضرورة في صورة جيش أجنبي يعبر الحدود؛ فقد يأتي في صورة تمويل خارجي، أو تسليح، أو حرب إعلامية، أو حصار اقتصادي، أو تفكيك اجتماعي، أو تحريض، أو دعم جماعات مسلحة، أو محاولة فرض ترتيبات سياسية من خارج الإرادة الوطنية.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدولة هو أن تتحول بعض النخب السياسية إلى أدوات في صراع الآخرين، فتفقد السياسة وظيفتها الوطنية وتصبح وسيلة لإضعاف الدولة من الداخل.
ثالثاً: استراتيجية الأمن الوطني تبدأ من فهم الدولة
الدولة ليست حكومة عابرة، وليست حزباً سياسياً، وليست مؤسسة عسكرية وحدها.
الدولة هي الأرض والشعب والسيادة والمؤسسات والقانون والموارد والهوية والمصالح الوطنية.
وقد تتغير الحكومات، وتتبدل الأحزاب، وتتغير التحالفات، لكن الدولة يجب أن تبقى.
ومن هنا، فإن أي استراتيجية وطنية للأمن يجب أن تقوم على حماية الدولة من التفكك، وتقوية مؤسساتها، وحماية حدودها، وتجفيف مصادر تمويل الصراعات المسلحة، ومنع التدخلات الخارجية، وبناء اقتصاد قادر على الصمود، وتطوير مؤسسات العدالة والقانون، وتعزيز التماسك الاجتماعي.
والأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها؛ بل يحتاج إلى قوة سياسية واقتصادية واجتماعية ودبلوماسية وإعلامية وقانونية تعمل ضمن رؤية وطنية واحدة.
رابعاً: ما واجب السياسيين؟
السياسي الوطني الحقيقي هو الذي يضع السودان أولاً.
وعندما تمر البلاد بأزمة وجودية، فإن واجب السياسيين لا يكون في البحث عن انتصار حزبي ضيق، وإنما في حماية المساحة الوطنية التي تسمح للجميع بممارسة السياسة.
فالسياسي الذي يريد الوصول إلى السلطة يجب أن يدرك أن السلطة لا قيمة لها إذا انهارت الدولة، وأن المعارضة لا معنى لها إذا تفكك الوطن، وأن الديمقراطية نفسها تحتاج إلى دولة مستقرة ومؤسسات قادرة على حمايتها.
إن الاختلاف السياسي مشروع، بل ضروري، لكن الاستقواء بالخارج ليس معارضة، وتحويل الصراع السياسي إلى حرب على الدولة ليس إصلاحاً، ومنح الشرعية للسلاح خارج مؤسسات الدولة ليس طريقاً إلى الديمقراطية.
خامساً: الشعب والجيش والدولة
لقد ظل الشعب السوداني، عبر تاريخه، ينظر إلى القوات المسلحة باعتبارها إحدى مؤسسات الدولة الوطنية المسؤولة عن حماية البلاد والدفاع عن سيادتها.
وفي ظروف الحرب، يصبح الحفاظ على الدولة ومؤسساتها ومنع انهيارها مسؤولية وطنية كبرى.
وهنا يجب التأكيد على أن دعم مؤسسات الدولة لا يعني إلغاء السياسة، كما أن حماية القوات المسلحة والدولة لا تعني إسكات النقد أو إلغاء حق المواطنين في المطالبة بالإصلاح.
بل إن المطلوب هو بناء علاقة متوازنة بين الدولة والمؤسسات والقانون والشعب، بحيث تكون القوات المسلحة مؤسسة وطنية، وتكون السياسة وسيلة لإدارة الاختلاف، ويكون القانون هو المرجعية، ويكون المواطن هو محور الدولة وغايتها.
سادساً: النخب أمام امتحان التاريخ
اليوم، أمام النخب السودانية فرصة تاريخية لإعادة تعريف دورها.
فإما أن تكون النخبة جزءاً من مشروع بناء الدولة، وإما أن تصبح جزءاً من أزمة الدولة.
والتاريخ لا يرحم النخب التي تختار مصالحها الخاصة في اللحظات التي تحتاج فيها الأوطان إلى الترفع عن الحسابات الضيقة.
إن السودان لا يحتاج إلى سياسيين يبحثون عن الشرعية خارج حدوده، ولا إلى نخب تستمد قوتها من الدعم الخارجي، ولا إلى أصوات تجعل من إضعاف الدولة وسيلة للوصول إلى السلطة.
السودان يحتاج إلى نخبة وطنية تفكر بعقل الدولة، وتختلف بعقل السياسة، وتتحرك بعقل الاستراتيجية، وتضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.
سابعاً: لا بد من تأسيس لرؤية وطني جديد
المطلوب ليس فقط إنهاء الحرب، وإنما معالجة جذور الأزمة وبناء دولة سودانية أكثر قوة وعدلاً واستقراراً.
نحن بحاجة إلى رؤية وطني جديد تقوم على:
. سيادة السودان أولاً.
. وحدة السودان أرضاً وشعباً.
. احتكار الدولة للسلاح.
. احترام القانون والمؤسسات.
. رفض الاستقواء بالخارج.
. تداول السلطة بالوسائل السياسية السلمية.
. حماية الحقوق والحريات.
. العدالة والمساءلة دون انتقام أو تشفٍ.
. إعادة الإعمار والتنمية.
. بناء اقتصاد وطني قوي ومستقل.
وتحقيق المصالحة الوطنية على أساس وحدة الدولة وسيادتها.
وهذا هو الطريق الذي يمكن أن ينقل السودان من دولة مستنزفة بالحروب إلى دولة تمتلك مشروعاً وطنياً واضحاً.
ثامناً: السودان الذي نحلم به
إن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة السيطرة على الأرض، وإنما معركة بناء الدولة السودانية الحديثة.
نريد سوداناً قوياً يحمي حدوده، ويحترم مواطنيه، ويصون كرامتهم، ويملك قراره الوطني، ويستثمر موارده، ويعيد إعمار مدنه وقراه، ويوفر التعليم والصحة والعمل، ويحقق العدالة، ويمنح الأجيال القادمة فرصة أفضل.
نريد دولة لا تكون رهينة للخارج، ولا أسيرة للصراعات الحزبية، ولا ساحة مفتوحة للمليشيات، ولا مشروعاً مؤجلاً بين القوى الإقليمية والدولية.
إن السودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من النخب، وأكبر من أي مشروع سياسي عابر.
السودان وطن، والدولة السودانية مسؤولية تاريخية، والسيادة الوطنية ليست شعاراً سياسياً وإنما خط أحمر لا يجوز تجاوزه.
وفي هذه المرحلة، فإن أعظم واجب على كل سوداني، وعلى السياسيين والنخب بصورة خاصة، أن يسأل نفسه:
ماذا قدمت لوطني؟ وهل موقفي اليوم يخدم السودان أم يخدم أجندة الآخرين؟
فالأوطان لا تُبنى بالعمالة، ولا بالاستقواء بالخارج، ولا بتدمير مؤسسات الدولة.
الأوطان تُبنى بالوعي، والوحدة، والعمل، والمؤسسات، والعدالة، والسيادة، والإرادة الوطنية.
وإذا أردنا أن نبني السودان العظيم الذي نحلم به، فعلينا أن نبدأ من القاعدة التي لا خلاف عليها:
السودان أولاً… والدولة السودانية فوق الجميع.






