مقالات

شاذلية العشا تكتب.. الأبيض عروس الرمال مدينة لا تشيخ

✍️ شاذلية العشا تكتب

حين يُذكر السودان تظل الأبيض حاضرة في الوجدان قبل الخرائط مدينة صنعت مكانتها من تاريخها العريق وموقعها الفريد وإنسانها الكريم إنها عروس الرمال وكردفان الغرة أم خير جوة وبرة أرض التبلدي والدخن والسمن والعسل وأرض الجود الذي صار جزءاً من هوية أهلها حتى عُرفوا في كل السودان بالكرم والشهامة وحسن الجوار
الأبيض ليست مدينة فقط بل حكاية وطن صغير يسكن القلوب من خور طقت الذي ارتبط بالعلم والمعرفة وتخريج الأجيال إلى أبان الجديدة وجنانها الوارفة ومن خور بقرة إلى أم شجيرة وأم عردة وكزقيل والخور الأبيض تمتد مساحات الجمال الطبيعي التي شكلت ذاكرة أهل كردفان ومتنفسهم ومقصد زوارهم إنها مواقع تستحق أن تُذكر في كل حديث عن السياحة السودانية لأنها تحمل ملامح البيئة الكردفانية الأصيلة وتختزن تاريخاً اجتماعياً وثقافياً لا يقدر بثمن
هذه المدينة لم تُعرف فقط بأسواقها وحركتها التجارية بل عُرفت بإنسانها الذي ظل عنواناً للتسامح والتكافل والنجدة وبأهلها الذين صنعوا من الكرم منهجاً للحياة ومن التعايش قيمة راسخة تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل
ورغم ما تمر به البلاد من ظروف استثنائية ما زالت الأبيض تقف شامخة كما عرفها أهل السودان دائماً فالمواطنون الذين عاشوا على هذه الأرض يدركون قيمة الاستقرار وأهمية التمسك بأرضهم ومجتمعاتهم وعدم الانسياق وراء الشائعات وحملات التخويف التي تستهدف بث القلق وسط المدنيين وإضعاف الروح المعنوية للمجتمعات المحلية
لقد أثبت التاريخ أن قوة كردفان لم تكن في مواردها وحدها بل في تماسك أهلها ووحدة كلمتهم وقدرتهم على تجاوز المحن وكلما اشتدت التحديات برزت قيم التكافل والتراحم التي تميز إنسان هذه المنطقة ومن هنا فإن المسؤولية الوطنية تقتضي المحافظة على النسيج الاجتماعي ونبذ الفرقة والشتات والتمسك بالأمل والعمل من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً
وفي خضم هذه التحديات لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه الشائعات وحملات التخويف في استهداف المواطنين الآمنين إذ ظلت مليشيا الدعم السريع المتمردة تعتمد على بث الرسائل المثيرة للقلق ومحاولات الترهيب النفسي لدفع السكان إلى مغادرة مدنهم وقراهم وترك ممتلكاتهم وكأن المطلوب أن تخلو الأرض من أهلها حتى يسهل فرض واقع جديد عليها وهو أمر يثير كثيراً من التساؤلات حول استهداف المدنيين وزعزعة استقرار المجتمعات المحلية التي لا ذنب لها سوى تمسكها بأرضها وحقها في الحياة الآمنة
غير أن أهل الأبيض وكردفان يدركون أن الأوطان لا تُحفظ بالخوف ولا تُبنى بالشائعات وإنما بالإرادة والصبر والتمسك بالأرض فهذه المدينة التي واجهت التحديات عبر تاريخها الطويل تعرف كيف تصمد وكيف تحافظ على هويتها ومكانتها مهما اشتدت الأزمات
ورسالتي إلى أهل شمال كردفان خاصة وإلى السودانيين عامة أن الأوطان تُبنى بسواعد أبنائها ووحدة صفهم وإيمانهم بمستقبلهم فالأبيض كانت وستظل مدينة للحياة والعلم والتجارة والثقافة وواحة للخير والعطاء في قلب السودان ومهما تعاظمت التحديات يبقى الانتماء للأرض والوفاء لها قيمة لا تسقط بالتقادم ولا تهزها الأزمات
الأبيض ليست بقعة جغرافية بل ذاكرة شعب ووجدان أمة وستبقى عروس الرمال كما عرفناها دائماً جميلة بأهلها عظيمة بتاريخها ومضيئة بالأمل الذي لا ينطفئ وستظل كردفان أرض الخير وأهل الشهامة والصمود الذين يكتبون تاريخهم بالعزيمة والثبات وحب الوطن @

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى