محمد أحمد كباشي يكتب..” حلفا الجديدة” .. اشراقات في زمن الحرب

..
حلفا الجديدة.. اشراقات في زمن الحرب
في العام 2021، سجلت زيارة إلى مدينة حلفا الجديدة، وصادف ذلك هطول أمطار غزيرة جعلت من سوق المدينة أشبه بجزيرة معزولة، حيث كانت المعاناة حاضرة أمام المارة وأصحاب المركبات، وكلٌ يبحث عن طريق آمن. كما خلفت تلك الأمطار وضعًا بيئيًا بالغ السوء، وكان ذلك نتيجة طبيعية لغياب الطرق المسفلتة والمصارف.
اما اليوم ومع تجديد زيارتي لهذه المدينة، فقد تبدل وجها خلال الأعوام الماضية، وبدا واضحًا أن المحلية سعت إلى التقاط هذا المعنى، فدفعت باتجاه تحسين الطرق وسفلتتها ، وهو من أكثر الملفات التصاقًا بحياة الناس اليومية وليس من المعقول ان تكون مدينة بحجم حلفا الجديدة بهذا الاقتصادي السكاني بلا بنية تحتية في مجال الطرق ومن هنا، فإن ما جرى من تنفيذ للطرق داخل السوق يعد إنجازا ونقلة نوعية أضفت على السوق لوحة جمالية ومن المؤكد سيكون لذلك مردودا من حيث التنظيم والنظافة مع تجاوز مشاكل الخريف
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي ظل يبذلها المدير التنفيذي السابق للمحلية، ليواصل من بعد الأستاذ أوشيك أحمد إبراهيم، الذي لم يكتفِ بمتابعة الملفات من مكتبه، بل ظل يتفقد المواطنين في قراهم المترامية الأطراف، ويستمع إلى مشكلاتهم عن قرب، ويسعى إلى إيجاد الحلول المناسبة لها. كما ظل مكتبه مفتوحًا على الدوام أمام المواطنين، في صورة تعكس روح المسؤولية والاقتراب من هموم الناس، وتؤكد أن الإدارة المحلية يمكن أن تكون أكثر فاعلية حين تضع المواطن في قلب اهتمامها واستدل على ذلك فقد رافقت المدير التنفيذي للمحلية في جولتين منفصلتين الأولى تفقد خلال مدرسة ارقين الثانوية بالقرية 5 ووقف على حجم الضرر واستمع إلى شرح وتفاصيل الموقف من قيادات المنطقة واسرة المدرسة وكانت مخرجات الزيارة الشروع في اعادة تأهيل وصيانة المدرسة
اما الجولة الثانية فقد بدأت صباح الخميس وشملت مناطق ام قرقور ومسك وام رهو أيضا كانت الزيارة لأجل قضايا التعليم بهذه المناطق والوقوف على سير العمل ووجدت الزيارة ارتياحا بالغا في نفوس مواطني تلك المناطق
وفي ملف المياه، تبدو الحاجة إلى التفكير بعقلية الحلول المستدامة أكثر من أي وقت مضى. فإعادة تأهيل المحطات، واستبدال الخطوط الناقلة، وربطها بالطاقة الشمسية، ليست مجرد إجراءات فنية، بل تعبير عن إدراك متأخر نسبيًا بأن الخدمات الأساسية لا تحتمل الارتجال. ومع الضغوط التي فرضتها موجات النزوح، أصبحت المسؤولية على المحلية مضاعفة، وصار توفير المياه المستقرة معيارًا حقيقيًا لقياس جدية أي حديث عن التنمية.
أما الصحة، فهي الملف الذي يكشف دائمًا الفارق بين الوعود والواقع. وحلفا الجديدة، بما لها من كثافة سكانية واتساع جغرافي، لا يكفيها أن تظل رهينة الإحالات إلى خارجها. لذلك فإن الاتجاه نحو تطوير المستشفى الحالي وإنشاء مستشفى متخصص للنساء والتوليد، إلى جانب توفير جهاز الرنين المغناطيسي، يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه يظل بحاجة إلى استكمال أكبر حتى يشعر المواطن بأن العلاج أصبح أقرب إليه من السفر إلى العاصمة والولايات. فالمطلوب ليس فقط تحسين المباني والأجهزة، بل بناء منظومة صحية قادرة على الصمود أمام الضغط المتزايد والحفاظ على ما تم من َمكتسبات.
وفي التعليم، لا يمكن فصل ما تحقق عن التحديات التي فرضتها الحرب والنزوح. إعادة تأهيل المدارس المتأثرة، ومتابعة أوضاع المعلمين، وتحسين بيئة الدراسة، كلها خطوات مهمة، لكنها تظل جزءًا من معركة أطول لاستعادة المدرسة دورها الطبيعي في تشكيل الوعي وحماية الأجيال من آثار الاضطراب. والتعليم في مثل هذه الظروف لا يحتاج إلى إدارة يومية فحسب، بل إلى رؤية تعتبره خط الدفاع الأول عن المجتمع.
أما الأمن والاجتماع، فهما وجهان لعملة واحدة. فالمجتمع الذي تتراجع فيه فرص الاستقرار يصبح أكثر عرضة للجريمة والمخدرات وخطاب الكراهية. ومن هنا تأتي أهمية الحملات التوعوية والإجراءات الأمنية معًا، لأن الأمن الحقيقي لا يصنعه الردع وحده، بل يصنعه أيضًا شعور الناس بأنهم جزء من نسيج واحد، وأن التعايش بينهم أقوى من كل محاولات التفكيك.
إن حلفا الجديدة اليوم تقف عند نقطة تستحق التأمل؛ فقد قطعت شوطًا لا بأس به في الخدمات والبنية التحتية، لكنها ما تزال بحاجة إلى أن تتحول هذه الجهود إلى سياسة تنموية طويلة النفس، لا إلى إنجازات متفرقة تُذكر ثم تُنسى. فالمحلية التي تملك هذا الثقل الزراعي والصناعي، وتستند إلى مجتمع متماسك، قادرة على أن تكون نموذجًا حقيقيًا للتنمية إذا ما استمرت الرؤية، وتكاملت الجهود، وجرى التعامل مع احتياجات الناس باعتبارها أولوية لا تحتمل التأجيل.
قطع شك اخير
ما تشهده حلفا الجديدة من تحركات في مجالات الطرق والمياه والصحة والتعليم والأمن يمثل بداية مهمة تستحق الدعم والمتابعة، لكنه يظل مرهونًا باستمرار الإرادة وتكامل الأدوار بين المحلية والمجتمع والجهات الرسمية. فالمواطن لا ينتظر الوعود بقدر ما ينتظر أثرها في حياته اليومية، وحين تصبح الخدمة العامة أكثر قربًا واستدامة، يمكن للمدينة أن تمضي بثقة نحو مستقبل يليق بتاريخها وأهلها.






