مقالات

مهندس نهيض محمد نهيض صالح يكتب.. السودان بين معركة الكرامة وأزمة النخب السياسية

✍️

معركة الكرامة كشفت الحقائق
منذ اندلاع معركة الكرامة التي فرضتها مليشيا الدعم السريع على الدولة السودانية، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة ومليشيا متمردة، بل تحولت إلى اختبار تاريخي كشف مواقف القوى السياسية والنخب المدنية أمام قضية جوهرية تتعلق بوجود الدولة السودانية وسيادتها ووحدتها الوطنية.
لقد أظهرت الحرب بوضوح أن الساحة السياسية السودانية تعاني من أزمة عميقة في الرؤية الوطنية.
فبينما كان الجنود يقدمون أرواحهم دفاعاً عن الوطن في الخرطوم وكردفان ودارفور، انشغلت بعض القوى السياسية بحسابات السلطة والمكاسب الضيقة، حتى أصبحت مواقف بعضها مرتبطة بأجندات خارجية أكثر من ارتباطها بمصالح الشعب السوداني.
نخب مهزومة وأحزاب فاقدة للبوصلة
لقد كشفت الحرب أن هناك قوى سياسية ما زالت أسيرة عقلية اقتسام السلطة، ولم تستوعب بعد حجم الكارثة التي تعرض لها السودان.
بعض هذه القوى ارتبطت مصالحها بشراكات الحكم السابقة، و الحالية وبعضها الآخر رأى في الحرب فرصة للوصول إلى السلطة عبر البوابات الخارجية، بينما ذهبت مجموعات أخرى إلى أبعد من ذلك حين وفرت الغطاء السياسي والإعلامي لمليشيا ارتكبت جرائم وانتهاكات واسعة بحق المواطنين.
إن أخطر ما أفرزته هذه المرحلة هو ظهور تيارات سياسية مستعدة للتحالف مع القتلة والمتمردين من أجل الحصول على نصيب من السلطة، متجاهلة دماء آلاف الشهداء والجرحى والنازحين الذين دفعوا ثمن هذه الحرب.
وفي المقابل، برزت قوى وطنية وشخصيات سياسية ومجتمعية انحازت للدولة وسيادتها، ووقفت مع القوات المسلحة باعتبارها المؤسسة الوطنية التي تحملت عبء الدفاع عن السودان في واحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث.
سرقة التضحيات مشروع قديم يتجدد
التاريخ السوداني مليء بالمحطات التي حاولت فيها بعض النخب السياسية القفز فوق تضحيات الشعب والقوات النظامية لتحقيق مكاسب سياسية.
واليوم تتكرر المحاولة نفسها عبر مساعٍ لفرض وصاية جديدة على السودانيين تحت شعارات مختلفة، مستندة إلى دعم خارجي أو ضغوط دولية أو تحالفات مشبوهة.
إن الذين ينتظرون نهاية الحرب ليقدموا أنفسهم أوصياء على الشعب السوداني دون تفويض شعبي حقيقي، يتجاهلون حقيقة أساسية مفادها أن الشرعية الوطنية لا تُستورد من الخارج، ولا تُمنح عبر غرف الفنادق والمؤتمرات الدولية، وإنما تُكتسب من الشعب نفسه ومن الانحياز الصادق لقضاياه.
كردفان ودارفور تدفعان الثمن
في الوقت الذي تتواصل فيه المعارك في كردفان ودارفور، ويسقط المئات من الضحايا، يبدو الحديث عن ترتيبات سياسية تتجاوز واقع الحرب بينما دماء الشهداء لم تجف بعد.
إن أي مشروع سياسي لا ينطلق من احترام تضحيات السودانيين واستعادة هيبة الدولة وإنهاء التمرد ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، هو مشروع يفتقد الأساس الأخلاقي والوطني اللازم لبناء مستقبل مستقر.
فالسلام الحقيقي لا يقوم على مكافأة من حمل السلاح ضد الدولة، ولا على إعادة إنتاج الأزمة تحت مسميات جديدة، بل على العدالة والمحاسبة وحماية السيادة الوطنية.
الإصلاح السياسي ضرورة وطنية
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى الانتصار العسكري، بل يحتاج كذلك إلى معركة إصلاح سياسي شاملة تعيد بناء الحياة الحزبية على أسس وطنية سليمة.
فالأحزاب السياسية مطالبة بمراجعة مواقفها وتجديد قياداتها وبرامجها، كما أن الدولة مطالبة بوضع أطر قانونية صارمة لمحاسبة كل من تعاون مع التمرد أو استقوى بالخارج ضد مصالح الوطن.
إن بناء السودان ما بعد الحرب يتطلب تجفيف منابع العمالة السياسية، وإغلاق أبواب التدخل الخارجي، وترسيخ مفهوم أن السيادة الوطنية ليست موضوعاً للمساومة أو التفاوض.
الطريق إلى المستقبل.
لقد أثبتت معركة الكرامة أن السودان قادر على الصمود مهما تعاظمت المؤامرات والتحديات. لكن النصر العسكري وحده لا يكفي إذا لم يتبعه مشروع وطني جامع يؤسس لدولة قوية وعادلة ومستقرة.
الوطن اليوم في حاجة إلى وحدة الصف وجمع الكلمة وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية والشخصية.
كما يحتاج إلى ابناء اجتماعي جديد يقوم على احترام إرادة الشعب وسيادة الدولة وسيادة القانون.
إن دماء الشهداء التي سالت في ميادين القتال يجب أن تكون أساساً لوحدة السودانيين لا سبباً لمزيد من الانقسام، وأن تكون منطلقاً لبناء دولة تحفظ كرامة مواطنيها وتصون سيادتها وتمنع تكرار المأساة.
فالسودان لن يُبنى بالوصاية، ولن يُحكم بالإملاءات الخارجية، وإنما بإرادة أبنائه ووحدتهم وإيمانهم بأن الوطن أكبر من الأحزاب وأبقى من المصالح العابرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى