مقالات

محمد أحمد كباشي يكتب.. د. أبوبكر ضحية.. معركة استعادة “الدولة الاجتماعية”

في زمنٍ أصبحت فيه العودة إلى الخرطوم اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على استعادة عافيتها، لا يبدو أن الدكتور أبو بكر كوكو ضحية، وكيل وزارة الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية، قد اختار الطريق الأسهل؛ بل اختار مسار المواجهة المباشرة مع أعقد الملفات الإنسانية والاجتماعية والتنفيذية التي أفرزتها الحرب.

يمتلك الوكيل دراية ممتدة وتجربة ميدانية راسخة في العمل الإنساني وإدارة الأزمات، تجعله مدركاً تماماً أن ملفات المجتمع في الظروف الاستثنائية لا تُدار بالعقلية التقليدية ولا عبر التقارير الراتبة، وإنما تحتاج إلى حضور ميداني وقرارات سريعة وقدرة على قراءة الواقع. فالشرائح الضعيفة والهشة هي أول من يدفع فاتورة الانهيار، وأطول من ينتظر استعادة عافية الدولة وحياتها الطبيعية.

وللدكتور أبوبكر ضحية باع طويل في العمل الإنساني والاجتماعي، انعكس بصورة عملية في مساهماته في تأهيل مراكز ومستشفيات بعدد من الولايات، ورعاية جرحى ومصابي معركة الكرامة، إلى جانب تقديم السلال الغذائية للنازحين وتلاميذ المدارس، وهي تجارب ميدانية تمنحه فهماً مباشراً لاحتياجات المواطنين في مناطق الأزمات، بعيداً عن التنظير المكتبي.

ولا تقف خبرته عند الجانب التنفيذي والميداني؛ فهو نائب رئيس اتحاد خبراء التنمية الاجتماعية العربي، ونائب رئيس اتحاد الجامعات الأفريقية، وأستاذ للتنمية الاجتماعية بالجامعات، الأمر الذي يجمع في تجربته بين المعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، ويمنحه أدوات مختلفة للتعامل مع قضايا الفقر والنزوح والحماية الاجتماعية وإدارة الأزمات.

وقد انعكست هذه الخبرة العملية بصورة جلية على طريقة تعاطيه مع الملفات المطروحة أمام الوزارة، إذ ينطلق من منهج يربط بين التدخل العاجل للتخفيف من حدة الفقر والنزوح، وبين وضع الموجهات الاستراتيجية لتأمين الرعاية المستدامة للفئات الأكثر تضرراً.

وتجسد حضور د. أبوبكر ضحية في انتقاله الميداني السريع إلى قلب الخرطوم واستنفار الطاقات لتفعيل خطة المائة يوم. هذا التحرك لم يكن مجرد استجابة رمزية، بل قاد عملية متابعة مباشرة للإدارات والوحدات التابعة، بالتوازي مع فتح ملفات الولايات التي تعرضت مؤسساتها وبياناتها لتدمير ممنهج، والعمل على إعادة تأهيل أطر الدعم الاجتماعي ومراجعة كشوفات الأسر المتعففة بالتعاون مع المنظمات والمفوضيات المتخصصة.

وتجلت كفاءة الوكيل في إدارته لملف قواعد البيانات المفقودة؛ حيث قاد جهوداً للبحث عن بدائل تقنية وميدانية سريعة لحصر المتضررين ومعالجة آثار اللجوء والنزوح الداخلي، فضلاً عن مواجهة معدلات الفقر والبطالة المتزايدة.

ويظل ملف الأطفال فاقدي الرعاية الوالدية وذوي الإعاقة والمسنين في صدارة أولوياته، بإرساء عقيدة عمل مؤسسي تبحث عن المواطن في موقع معاناته، دون انتظار وصوله إلى أروقة الوزارة.

ولم تقتصر حركة الوزارة على العاصمة، بل امتدت لتشمل تسيير قوافل الدعم والإسناد الاجتماعي إلى مختلف الولايات المتأثرة بالحرب، وإبرام تفاهمات مشتركة لإجراء الدراسات الاجتماعية للنازحين داخل المعسكرات، بما يساعد على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء قواعد أكثر دقة للحماية والرعاية الاجتماعية.

المسألة في تقديري ليست مجرد نشاط وكيل وزارة في فترة استثنائية، وإنما محاولة لإعادة تعريف وظيفة الدولة تجاه مواطنيها في واحدة من أصعب مراحل السودان.

فالعودة إلى الخرطوم لا تعني فقط إعادة تشغيل المؤسسات والمكاتب، وإنما تعني أيضاً إعادة تشغيل قلب الدولة الاجتماعي؛ أن يجد الجريح من يرعاه، والنازح من يسنده، والطفل فاقد الرعاية من يحميه، والمسن وذو الإعاقة والأسر المتعففة من يقف إلى جانبها.

وهنا تحديداً تبرز أهمية تجربة د. أبوبكر ضحية؛ فهو يقف أمام مسؤولية ثقيلة وحجم أعباء يتطلب طاقة غير تقليدية، وخبرة ميدانية، وعقلاً مؤسسياً، وإرادة تنفيذية.

ورصيده في العمل الإنساني والاجتماعي، إلى جانب خلفيته الأكاديمية وتجربته في التنمية وإدارة الأزمات، يمنحه فرصة حقيقية لتقديم نموذج للمسؤول الذي لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يحاول تحويلها إلى خطط عمل واقعية يشعر المواطن بنتائجها على الأرض.

وفي النهاية، فإن معركة استعادة الدولة لا تُحسم فقط في ميادين القتال، ولا بإعادة فتح الوزارات والمرافق، وإنما تكتمل عندما تستعيد الدولة قدرتها على رعاية الإنسان وحماية الفئات الأضعف وصون كرامة المواطن.

ومن هنا تأتي معركة الوكيل د. أبو بكر ضحية في استعادة ما يمكن تسميته بـ “الدولة الاجتماعية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى