مقالات

مهندس نهيض محمد نهيض يكتب.. كردفان ودارفور… معركة الحسم وتوازنات الإقليم (٢)

✍️ بقلم: المهندس نهيض محمد نهيض صالح

التاريخ لا يكتب أسماء المترددين، بل يخلد الأمم التي تدرك لحظاتها الفاصلة وتحسن إدارة معاركها المصيرية. والسودان يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات؛ فمعركة كردفان ودارفور ليست مجرد مواجهة عسكرية، وإنما اختبار لقدرة الدولة على استعادة سيادتها وفرض سلطتها على كامل أراضيها.
لقد أظهرت تطورات الميدان أن الحرب دخلت مرحلة جديدة تختلف عن بداياتها.
فبعد أن كانت المليشيا تعتمد على الانتشار الواسع والسيطرة على مساحات متعددة، أصبحت اليوم تميل إلى تركيز قواتها في محاور محددة، وعلى رأسها كردفان، في محاولة لإبطاء تقدم القوات النظامية ومنع انتقال العمليات إلى دارفور.
ومن هذا المنظور، فإن كردفان لم تعد مجرد ساحة قتال، بل أصبحت مركز الثقل العسكري الذي قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة.
فنتيجة هذه المعركة سيكون لها أثر مباشر على مستقبل العمليات العسكرية وعلى فرص استعادة الدولة لسيطرتها على غرب السودان.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل ما يجري داخل السودان عن محيطه الإقليمي والدولي. فالأزمات الداخلية كثيراً ما تتحول إلى ساحات تتداخل فيها مصالح القوى الخارجية، سواء عبر الدعم السياسي أو الدبلوماسي أو عسكري أو غيره.
ولذلك، فإن حماية القرار الوطني تتطلب قراءة واعية لهذه التوازنات، مع الحفاظ على استقلالية الموقف السوداني.
غير أن الانتصار العسكري وحده لا يكفي.
فالتاريخ يعلمنا أن الدول تنتصر عندما تتكامل القوة العسكرية مع الإدارة المدنية الفاعلة والاقتصاد القادر على الصمود ووحدة الجبهة الداخلية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى رفع كفاءة مؤسسات الحكم المحلي، وتعزيز الخدمات، ودعم الولايات المتأثرة بالحرب، وإطلاق برامج جادة لإعادة الإعمار وتعافي الاقتصاد.
إن معركة كردفان ودارفور ليست نهاية الطريق، وإنما بداية مرحلة جديدة من بناء الدولة.
وإذا نجح السودان في الجمع بين الحسم الميداني، والإدارة الرشيدة، ووحدة الصف الوطني، فإنه سيكون قد وضع الأساس الحقيقي لاستعادة الأمن والاستقرار.
ويبقى الدرس الأهم أن قوة الدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من سلاح، وإنما بقدرتها على توحيد شعبها، وحماية سيادتها، وبناء مؤسساتها على أسس راسخة.
فهذه هي الضمانة الحقيقية لعبور السودان إلى مستقبل أكثر أمناً واستقراراً .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى