مهندس نهيض محمد نهيض يكتب.. تقوية اللحمة الوطنية بتوحيد الصف الداخلي ودعم المقاومة الشعبية من أجل التعافي الوطني

✍️ الباشمهندس نهيض محمد نهيض صالح
تمر السودان بمرحلة مفصلية من تاريخها الحديث، حيث فرضت الحرب تحديات عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، وأعادت تشكيل الخريطة الوطنية على مستوى المواقف والتحالفات.
وفي مثل هذه المراحل، تصبح قوة الدولة الحقيقية مرهونة بقدرتها على توحيد جبهتها الداخلية، وبناء مشروع وطني جامع يضع المصلحة العليا فوق الاعتبارات الحزبية والجهوية والشخصية.
لقد أفرزت الحرب اصطفافات سياسية ومجتمعية متباينة، حيث سنادة قطاع واسع من القوى السياسية والمجتمعية والقواعد الشعبية وقف إلى جانب مؤسسات الدولة والقوات المسلحة والقوات المساندة، انطلاقاً من قناعته بضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسيادته. وفي المقابل، برزت مواقف أخرى أثارت خلافاً داخل الساحة الوطنية و إسنادة مليشيا الدعم السريع الإرهابية ، الأمر الذي يجعل إدارة مرحلة ما بعد الحرب مسؤولية وطنية تتطلب رؤية متوازنة وحواراً منظماً.
إن توحيد الصف الوطني لا يعني توحيد الآراء، وإنما يعني الاتفاق على الثوابت الوطنية التي لا يجوز المساس بها، وفي مقدمتها وحدة السودان، وسيادته، ورفض التدخلات الخارجية، واحترام مؤسسات الدولة، والالتزام بالدستور والقانون.
ومن هنا، فإن بناء جبهة وطنية داخلية متماسكة يمثل أحد أهم متطلبات التعافي الوطني والاستقرار المستدام.
ويجب أن ينطلق هذا التوافق الوطني من حوار استراتيجي بين القوى الوطنية التي دعمت مؤسسات الدولة، بهدف الوصول إلى رؤية مشتركة حول إدارة المرحلة الانتقالية، وآليات الحكم الرشيد، وشكل المشاركة السياسية، وبرامج إعادة الإعمار، والإصلاح الاقتصادي، وتحقيق العدالة، وتعزيز السلم الاجتماعي، بما يضمن مشاركة وطنية مسؤولة في بناء الدولة.
كما ينبغي أن يشمل الحوار وضع برامج للمصالحات المجتمعية، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ومعالجة آثار الحرب، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الخدمات الأساسية، حتى تتحول مرحلة ما بعد الحرب إلى مرحلة بناء واستقرار بدلاً من أن تكون امتداداً للصراع.
وفي الجانب الأمني، تظل المقاومة الشعبية – في إطار القانون ومؤسسات الدولة – أحد عناصر دعم الاستقرار الوطني، من خلال الإسناد المجتمعي، وتعزيز الوعي الوطني، والمساهمة في حماية المجتمعات المحلية، ودعم جهود إعادة البناء، بما يتوافق مع سلطة الدولة وسيادة القانون.
أما فيما يتعلق بالقوى السياسية والمجتمعية التي اختلفت مواقفها خلال الحرب، فإن معالجة هذا الملف تتطلب مساراً مستقلاً يقوم على الحوار المسؤول وفق ضوابط وطنية واضحة، تراعي العدالة وسيادة القانون والمساءلة عند الاقتضاء، وتسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق استقرار دائم يمنع تجدد الصراع، دون الإخلال بحقوق الضحايا أو متطلبات السلام المجتمعي.
إن الحفاظ على الخط الوطني المستقل يمثل ضرورة استراتيجية، لأن تجارب الدول التي شهدت نزاعات تثبت أن الانقسامات الداخلية غالباً ما تُستغل من قبل أطراف خارجية لتحقيق مصالحها. ولذلك، فإن حماية القرار الوطني تتطلب بناء مؤسسات قوية، وتعزيز الوعي الشعبي، ورفع مستوى التماسك بين القوى الوطنية، بما يحصن البلاد من التدخلات ويعزز استقلالية القرار السياسي.
واليوم، لا يحتاج السودان إلى مزيد من الانقسامات، بل إلى مشروع وطني جامع يؤمن بأن معركة بناء الدولة لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، وأن النصر الحقيقي لا يكتمل إلا بإعادة بناء الإنسان، وإصلاح المؤسسات، وتحقيق التنمية، وترسيخ العدالة، وتعزيز الوحدة الوطنية.
إن التعافي الوطني يبدأ من وحدة الصف، ويترسخ بالحوار المسؤول، ويكتمل ببناء دولة المؤسسات والقانون، التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكون فيها المصلحة الوطنية هي المرجعية العليا لكل قرار سياسي أو مجتمعي.







