مقالات

م. نهيض محمد نهيض يكتب.. الحوار السوداني–السوداني: من الرؤية إلى الفعل الاستراتيجي

إذا كان الحوار هو الطريق، فإن نجاحه لا يتحقق بالنوايا وحدها، بل برؤية استراتيجية واضحة وآليات دقيقة تضمن تحوله من منصة نقاش إلى أداة لبناء الدولة واستعادة السيادة.
أولاً: تحديد الإطار الاستراتيجي للحوار
لا بد أن يقوم الحوار على مرجعية وطنية متفق عليها، تحدد الأهداف الكبرى بوضوح:
. الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً
. استعادة هيبة الدولة وبناء مؤسساتها
. إنهاء التمرد والنزاعات المسلحة
. تحقيق العدالة الانتقالية والتنمية المتوازنة
. هذا الإطار يمنع الانحراف نحو المصالح الضيقة أو إعادة إنتاج الأزمات السابقة.
ثانياً: بناء الثقة كمدخل أساسي للنجاح
لا حوار ناجح دون حد أدنى من الثقة بين الأطراف. وهنا تبرز أهمية:
إجراءات تهيئة المناخ
. خطاب إعلامي مسؤول يبتعد عن التخوين والتحريض
. ضمانات وطنية مستقلة لإدارة العملية الحوارية
. الثقة ليست شعاراً، بل تُبنى بخطوات عملية تُثبت جدية الجميع.
ثالثاً: إدارة الحوار بمهنية واستقلالية
نجاح الحوار يتطلب إدارة محايدة وكفؤة، عبر:
. تشكيل آلية وطنية مستقلة تضم شخصيات مشهود لها بالنزاهة
. تحديد أجندة واضحة ومحددة بزمن
. اعتماد منهج التوافق بدلاً من المغالبة
. فالحوار الذي يُدار بعقلية الصراع، لن يُنتج إلا صراعاً جديداً.
رابعاً: إشراك القواعد لا النخب فقط
أي حوار يقتصر على القيادات السياسية معزول عن الشارع، محكوم عليه بالفشل.
لذلك يجب:
. إشراك الإدارات الأهلية ولجان المقاومة والشباب والمرأة و منظمات المجتمع المدني
. عقد مؤتمرات قاعدية في الأقاليم
.ضمان تمثيل حقيقي لكل مكونات المجتمع
فالوحدة الوطنية تُبنى من القاعدة إلى القمة، لا العكس.
خامساً: ربط مخرجات الحوار بآليات تنفيذ ملزمة
أخطر ما واجه التجارب السابقة هو بقاء التوصيات حبراً على ورق.
ولذلك يجب:
. تحويل مخرجات الحوار إلى وثيقة دستورية ملزمة
تحديد جدول زمني للتنفيذ
. إنشاء آلية رقابة ومحاسبة وطنية
فنجاح الحوار يُقاس بما يُنفذ، لا بما يُكتب.
سادساً: المؤسسة العسكرية كركيزة للاستقرار
لا يمكن لأي مخرجات سياسية أن تصمد في ظل تعدد الجيوش.
لذلك فإن أحد أهم أهداف الحوار:
. بناء جيش وطني مهني واحد
. دمج أو تسريح القوات وفق معايير مهنية
. إخضاع كل القوات العسكرية تحت قيادة القوات المسلحة
. فالدولة لا تقوم إلا على احتكار مشروع للقوة.
سابعاً: تحصين الحوار من التدخلات الخارجية
أي حوار وطني حقيقي يجب أن يُدار بإرادة سودانية خالصة، مع:
. رفض الإملاءات الأجنبية
. ضبط العلاقة مع المجتمع الدولي بما يخدم المصلحة الوطنية
. الاستفادة من الدعم الخارجي دون التفريط في القرار السيادي
فالسيادة لا تُمنح، بل تُصان بالإرادة والوعي.
ثامناً: العدالة كضامن للاستدامة
السلام بدون عدالة هو هدنة مؤقتة.
لذلك يجب أن يشمل الحوار:
. آليات واضحة للعدالة الانتقالية
. إنصاف الضحايا وجبر الضرر
. عدم الإفلات من العقاب
فالعدالة هي الأساس الأخلاقي لوحدة الصف الوطني.
رسالتي
إن الحوار السوداني–السوداني لن ينجح بمجرد انعقاده، بل بنجاح تصميمه وتنفيذه.
هو معركة وعي وإرادة لا تقل أهمية عن المعارك في الميدان.
فإما أن نحسن إدارته كفرصة تاريخية لإعادة تأسيس الدولة، أو نضيعه كما ضاعت فرص كثيرة من قبل.
السودان اليوم لا يحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى قرار وطني شجاع يُحوّل الحوار إلى مشروع بناء حقيقي، يعيد للدولة هيبتها، وللشعب وحدته، وللوطن سيادته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى