مهندس نهيض محمد نهيض يكتب..انهيار مليشيا آل دقلو.. عندما تتساقط الحواضن ويتهاوى مشروع الحرب

لم تعد المعركة في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين القوات المسلحة و المليشيا ال دقلو الإرهابية ، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السودانية على الصمود في مواجهة مشروع استهدف وحدة البلاد وسيادتها وأمنها الاجتماعي.
واليوم، وبعد سنوات من الحرب، تتزايد المؤشرات على أن مليشيا آل دقلو تواجه مرحلة شديدة الصعوبة، وأن بنيتها العسكرية والسياسية والاجتماعية أصبحت أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
لقد بدأت كثير من الحواضن التي راهنت على استمرار مليشيا آل دقلو في إعادة حساباتها.
فالحرب التي ظن البعض أنها ستكون طريقاً سريعاً إلى السيطرة على الدولة تحولت إلى استنزاف طويل، وتبددت معها حسابات السيطرة السريعة والانتصار الخاطف.
سقوط الرهان على الحسم العسكري
كانت حسابات مليشيا آل دقلو وحلفائها تقوم على فرض أمر واقع عسكري وسياسي، وإضعاف مؤسسات الدولة، وإحداث شرخ عميق في المجتمع السوداني.
غير أن صمود القوات المسلحة والقوات المشتركة والمخابرات والقوات المساندة، إلى جانب المقاومة الشعبية، أدى إلى إفشال هذا الرهان.
ومع امتداد الحرب، وجد المقاتلون والمرتزقة الذين جرى استقدامهم من خارج السودان أنفسهم أمام واقع مختلف تماماً عن الحسابات التي دفعتهم إلى دخول المعركة.
فقد واجهوا مقاومة عسكرية ومجتمعية شرسة، ووجدوا أن السودان ليس ساحة سهلة يمكن حسمها بالمرتزقة أو بالمال أو بالسلاح.
وهنا بدأ التراجع.
فالمقاتل الذي يدخل الحرب بحثاً عن المال، عندما يدرك أن المعركة طويلة وأن كلفتها أكبر من مكاسبها، يبدأ في البحث عن طريق للخروج.
ومع تزايد الضغوط والخسائر وتراجع القدرة على التمويل والإمداد، تتآكل الروح القتالية وتبدأ المنظومة في التفكك من الداخل.
الحواضن تبدأ في إعادة حساباتها
أخطر ما يمكن أن تواجهه أي قوة مسلحة ليس فقط خسارة موقع عسكري، وإنما فقدان الثقة من الحواضن التي كانت توفر لها الغطاء السياسي والاجتماعي.
واليوم، تبدو الحاجة إلى إعادة قراءة المشهد في دارفور وكردفان أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
فكلما اقتربت الحرب من نهاياتها، ازدادت الضغوط على القيادات المحلية والمجموعات المسلحة والإدارات الأهلية التي ارتبطت بمشروع حرب ال دقلو.
ومع تغير موازين القوة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: إلى أين يتجه هؤلاء بعد أن تتغير المعادلة؟
إن انهيار أي مشروع مسلح لا يبدأ بالضرورة من الميدان؛ بل قد يبدأ من الرأس، ثم ينتقل إلى القيادات الوسطى، ثم إلى القواعد، حتى يصل إلى الحواضن الاجتماعية والسياسية.
ولهذا فإن ما نشهده من اضطراب وتراجع في بعض مكونات المنظومة المرتبطة بمليشيا آل دقلو يجب أن يُقرأ باعتباره جزءاً من أزمة أعمق في مشروعها السياسي والعسكري.
دارفور وكردفان.. مسرح الحسم القادم
إن انتصارات القوات المسلحة والقوات المشتركة والمخابرات والقوات المساندة لا تعني فقط تقدماً عسكرياً في محور دون آخر، وإنما تعني أن الدولة السودانية تستعيد تدريجياً قدرتها على المبادرة للحسم النهائي .
وتظل كردفان ودارفور من أهم ساحات الصراع، ليس فقط لأهميتهما الجغرافية، وإنما لأن مستقبل الأمن والاستقرار في السودان يرتبط بصورة مباشرة باستقرار هاتين المنطقتين.
ومن هنا فإن المرحلة المقبلة يجب ألا تكون مجرد مرحلة عسكرية، وإنما مرحلة لإعادة بناء الدولة، وترسيخ سلطة القانون، وإعادة النازحين والمهجرين، ومعالجة آثار الحرب، وإعادة إعمار ما دمرته المعارك.
الانهيار الحقيقي يبدأ عندما تسقط الفكرة
المليشيات قد تمتلك السلاح، وقد تمتلك المال، وقد تستعين بالمرتزقة، لكنها لا تستطيع الاستمرار إلى ما لا نهاية إذا فقدت القدرة على تقديم مشروع مقنع لمن يقاتلون معها.
والأخطر على أي تشكيل مسلح هو أن يبدأ أفراده في إدراك أن المعركة التي يخوضونها لا تقود إلى النصر الذي وُعدوا به.
عندها يبدأ الانهيار النفسي، ثم السياسي، ثم العسكري.
وهذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مليشيا آل دقلو اليوم: ليس فقط خسارة الأرض، وإنما تآكل الرهان على إمكانية تحقيق أهداف الحرب.
السودان ينتصر عندما تتوحد إرادته
إن نهاية الحرب لا ينبغي أن تكون مناسبة للانتقام أو لإعادة إنتاج الانقسامات، وإنما يجب أن تكون بداية لمشروع وطني جديد.
فالسودان لا يحتاج بعد الحرب إلى منتصرين ومهزومين من أبناء الوطن، بقدر ما يحتاج إلى دولة قوية، وعدالة ناجزة، ومؤسسات وطنية، ومصالحة مجتمعية حقيقية، وإعادة إعمار شاملة.
أما من حمل السلاح ضد الدولة والشعب، فعليه أن يتحمل المسؤولية القانونية عن أفعاله، وفق العدالة والقانون.
إن السودان الذي صمد أمام هذه الحرب قادر على النهوض من جديد بدون أقصى أحد .
وما ظنه المتآمرون مشروعاً لإسقاط الدولة يمكن أن يتحول، بإرادة الشعب السوداني، إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء وطن أكثر قوة ووحدة واستقراراً .
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً، ولكن إرادته لم تنكسر و لن تستجيب لأي أملاءات.
وإذا كانت مليشيا آل دقلو قد راهنت على إسقاط السودان، فإن الشعب السوداني يثبت يوماً بعد يوم أن السودان أكبر من المليشيات، وأقوى من المؤامرات، وأبقى من كل المشاريع التي استهدفت وحدته وسيادته.
السودان ينتصر أخيراً .. رغم أنف المتآمرين.



