محمد أحمد كباشي يكتب.. عندما يتقدم الوطن على السياسة

البيان الذي أصدره المجلس الأعلى لقبائل الكواهلة لم يكن مجرد إعلان موقف مؤيد للقوات المسلحة، وإنما حمل رسالة تستحق الوقوف عندها؛ إذ دعا إلى الالتفاف حول مؤسسات الدولة، ورفض أي خطوات أحادية قد تزيد من حالة الانقسام التي أنهكت السودان.
وقطع شك… فإن أكبر خطر يواجه البلاد اليوم ليس فقط عدوا يتربص بنا من الداخل والخارج، وإنما تعدد المنابر التي تتحدث باسم الوطن، بينما الوطن نفسه يحتاج إلى منصة واحدة تجمع ولا تفرق.
ولم يكن هذا البيان معزولًا عن نهج ظل يتبناه المجلس الأعلى لقبائل الكواهلة منذ اندلاع الحرب، عبر مبادرات متواصلة لدعم القوات المسلحة، والسعي إلى تقريب وجهات النظر بين المكونات المجتمعية، والعمل على رتق النسيج الاجتماعي في وقت اتسعت فيه دوائر الاستقطاب.
ويبرز في هذا السياق الدور النشط لرئيس المجلس، كمال صالح الكاهلي، الذي ظل يقود تحركات ولقاءات مع مختلف القوى والإدارات الأهلية، واضعًا نصب عينيه هدفًا واحدًا يتمثل في تعزيز التماسك الوطني، ومحاربة خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة الحوار باعتبارها الطريق الأقصر لعبور هذه المرحلة الحرجة.
إن الدعوة إلى جمع الإدارات الأهلية والكيانات الوطنية تحت مظلة واحدة ليست مطلبًا قبليًا ولا سياسيًا، وإنما تعكس إدراكًا بأن معركة استعادة الدولة لا تكتمل إلا باستعادة الثقة بين مكونات المجتمع، فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالاستقطاب، وإنما بالشراكة التي تجعل الجميع شركاء في المسؤولية.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في البيان تأكيده أن دعم القوات المسلحة لا يرتبط بطلب منصب أو حصة في السلطة، وهي رسالة ينبغي أن تكون عنوانًا للمرحلة؛ فحين يكون الوطن في خطر، تصبح المصلحة الوطنية أكبر من كل المكاسب الضيقة.
اليوم، السودان في حاجة إلى خطاب يطفئ الحرائق لا يزيدها اشتعالًا، ويقرب المسافات لا يوسعها، ويؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يعني التنازع على الوطن.
وقطع شك…
ولن يكتمل النصر العسكري في معركة الكرامة إلا بانتصار آخر يرمم النفوس، ويجمع السودانيين على كلمة سواء. وما بين دعم القوات المسلحة، ورتق النسيج الاجتماعي، ومحاربة خطاب الكراهية، تُصنع الأوطان وتُكتب بدايات السلام.







