شاذلية العشا تكتب.. معاش الناس خط احمر

معاش الناس خط أحمر
✍🏼شاذلية العشا تكتب
في زمن الحروب والأزمات تصبح مسؤولية الدولة ومؤسساتها مضاعفة تجاه المواطن الذي يجد نفسه في مواجهة تحديات لا تنتهي تبدأ من تأمين لقمة العيش ولا تنتهي عند الحصول على أبسط الخدمات الأساسية وبينما ينتظر السودانيون انفراجاً يخفف عنهم أعباء الحياة تتوالى عليهم موجات جديدة من الزيادات التي تطرق أبوابهم بوتيرة متسارعة حتى باتت كلمة زيادة هي الضيف الأكثر حضوراً في تفاصيل حياتهم اليومية
خلال الأيام الماضية فوجئ مشتركو شركات الاتصالات برسائل تفيد بزيادة تعرفة المكالمات وارتفاع تكلفة بعض الخدمات المرتبطة بها بعد فترة قصيرة من زيادات أخرى طالت خدمات الإنترنت والوقود والكهرباء وغيرها من السلع والخدمات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس حول حق الشركات في مراجعة أسعارها أو مواجهة التحديات التشغيلية فهذا أمر طبيعي في أي اقتصاد وإنما حول مدى معقولية هذه الزيادات وتوقيتها ومدى مراعاتها للواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه المواطن السوداني في ظل الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية
الاتصالات لم تعد خدمة ترفيهية يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها بل أصبحت شريان حياة حقيقياً يربط الأسر التي فرقتها الحرب ويجمع بين الأهل والأصدقاء الذين فرقتهم ظروف النزوح والهجرة ويمكن المواطنين من متابعة أعمالهم ودراستهم ومعرفة أخبار ذويهم داخل السودان وخارجه
وفي عصر أصبحت فيه المعلومة والخدمة والفرصة تمر عبر الهاتف وشبكة الإنترنت فإن أي زيادة في تكلفة الاتصالات لا تؤثر على فاتورة المكالمات فقط وإنما تمتد آثارها إلى التعليم والعمل والتجارة والتواصل الاجتماعي والتحويلات المالية وكل ما يرتبط بحياة الناس اليومية
ومن حق المواطن أن يتساءل هل تخضع هذه الزيادات للمراجعة والرقابة الكافية وهل تمت دراستها بصورة تحقق التوازن بين مصالح الشركات وقدرة المواطنين على التحمل وهل توجد جهة تراقب بصورة فعالة أسعار الخدمات الأساسية وتمنع الزيادات غير المبررة التي تتكرر خلال فترات زمنية قصيرة
وفي ظل غياب المجلس التشريعي تصبح المسؤولية أكبر على الجهاز التنفيذي والوزارات المختصة للتأكد من أن أي زيادة تتم وفق أسس واضحة ومعلنة ومفهومة للرأي العام لأن الشفافية ليست ترفاً سياسياً وإنما حق أصيل للمواطن الذي يدفع من دخله المحدود ثمن هذه الخدمات
رسالتنا إلى رئيس مجلس الوزراء البروفيسور كامل إدريس وإلى الجهات المختصة في الدولة أن المواطن السوداني لا يبحث عن امتيازات خاصة ولا يطلب المستحيل وإنما يطلب العدالة والرقابة والشفافية وأن تتم مراعاة الظروف المعيشية القاسية التي تمر بها الأسر السودانية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد
كما أن رسالتنا إلى تجار الأزمات وكل من يحاول استغلال الظروف الاستثنائية لتحقيق مكاسب على حساب الناس أن الوطنية لا تقاس بالشعارات وإنما بالمواقف وأن الوقوف مع المواطن في أوقات الشدة هو الاختبار الحقيقي للمسؤولية الأخلاقية والوطنية
إن السودان اليوم بحاجة إلى سياسات اقتصادية تضع الإنسان في مقدمة الأولويات وتراعي ظروف المواطنين قبل البحث عن أي معالجات مالية لأن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار حياة المواطن وقدرته على توفير احتياجات أسرته الأساسية بكرامة
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة وصريحة كم من الزيادات يستطيع المواطن السوداني أن يتحمل بعد كل ما مر به من حرب ونزوح وفقدان لمصادر الدخل وارتفاع متواصل في تكاليف الحياة
إن معاش الناس خط أحمر وإن حماية المواطن ليست منحة من أحد بل واجب دستوري وأخلاقي على كل مؤسسة تتحمل مسؤولية إدارة الشأن العام لأن قوة الدول لا تقاس بحجم إيراداتها فقط وإنما بقدرتها على حماية مواطنيها وصون كرامتهم وتخفيف أعباء الحياة عنهم







