محمد أحمد كباشي يكتب.. دارمالي… لا تُطلقوا رصاصة في صدر الاستثمار

محمد أحمد كباشي يكتب
ما يحدث في دارمالي لم يعد مجرد خلاف حول سوق أو قطعة أرض، بل أصبح رسالة خطيرة يقرأها كل مستثمر داخل السودان وخارجه. فالاستثمار لا يخاف من الخسارة بقدر ما يخاف من غياب الضمانات، وعندما يشعر المستثمر أن حقوقاً اكتسبها بإجراءات رسمية يمكن أن تصبح محل جدل بقرار أو تصريح، فإن أول ما يغادر المكان هو الثقة.
لا جدال ان زادنا مشروع وطني يستحق كل الدعم، ولا أحد يختلف على أهميته للاقتصاد السوداني، لكن المشروع القومي لا يُبنى على أنقاض استثمارات أخرى، ولا ينجح إذا أصبح سبباً في خلق صدام مع قطاع ظل لسنوات يرفد خزينة الدولة بالذهب، ويوفر آلاف فرص العمل، ويسهم في دوران عجلة الاقتصاد.
السؤال الذي ينبغي أن يصل اليوم إلى أعلى مستويات الدولة: هل تعلم الحكومة أن الرسائل المتبادلة حول دارمالي بدأت تثير قلق المستثمرين؟ وهل تدرك أن أي معالجة لا تراعي الحقوق القانونية قد تتحول إلى سابقة تهدد بيئة الاستثمار بأكملها؟
القضية أكبر من لجنة، وأكبر من قرار إداري، وأكبر من تصريح إعلامي يطلق على الهواء (معقولة يا عسكوري) . إنها قضية تتعلق بهيبة الدولة في احترام العقود والإجراءات الرسمية، وبقدرتها على حماية المستثمر لا إخافته.
المطلوب اليوم تدخل عاجل من رئاسة الدولة والجهات العدلية والتنفيذية، لإدارة هذا الملف بالحكمة، وجمع كل الأطراف حول طاولة واحدة، قبل أن يتحول الخلاف إلى أزمة اقتصادية تُضاف إلى أزمات السودان.
قطع شك:
الوضع الماثل الان وفق التحديات تواجه البلاد لا يحتمل أن يخسر مستثمريه… ولا يحتمل أن تتحول المشروعات القومية إلى مصدر قلق بدلاً من أن تكون عنواناً للأمل. فحماية الاستثمار ليست خدمة للمستثمر، بل حماية لهيبة الدولة ومستقبل الاقتصاد الوطني.
قطع شك
دارمالي… لا تُكافأ التضحيات بإثارة القلق
ليست كل القضايا تُدار بالقرارات، فبعض الملفات تحتاج إلى ذاكرة وطنية قبل أن تحتاج إلى توقيع إداري.
دارمالي ليست مجرد سوق ذهب، وليست مجرد مساحة يتنافس عليها طرفان، وإنما تجربة وطنية نشأت في ظروف استثنائية، وأسهمت في حماية الاقتصاد عندما كانت البلاد تواجه واحدة من أقسى أزماتها.
أصحاب المصلحة في سوق دارمالي لم يكونوا مجرد باحثين عن الربح، بل كانوا جزءاً من معركة الصمود الاقتصادي. فقد لعبوا دوراً بارزاً في دعم اقتصاد الدولة عبر استمرار الإنتاج وتدفق الذهب، وفي الوقت نفسه لم يترددوا في دعم المجهود الحربي وإسناد معركة الكرامة، حيث سيروا القوافل الواحدة تلو الأخرى دعماً للقوات المسلحة، إيماناً منهم بأن حماية الوطن مسؤولية مشتركة.
ولم يتوقف دور السوق عند الاقتصاد والحرب، بل تحول إلى ملاذ إنساني حقيقي. فقد احتضن آلاف النازحين الذين شردتهم الحرب، وفتح لهم أبواب العمل والإنتاج، ومنحهم فرصة لاستعادة رؤوس أموالهم وبناء حياة جديدة بعد أن فقدوا كل شيء. ولهذا أصبح سوق دارمالي نموذجاً للتكافل والإنتاج في أصعب الظروف.
اليوم يشكل سوق دارمالي سوداناً مصغراً، يجمع آلاف العاملين والمنتجين والتجار من مختلف ولايات البلاد، يعيشون ويعملون في بوتقة واحدة، ويسهمون جميعاً في رفد الاقتصاد الوطني. فهل يُعقل أن يُنظر إلى هذا الواقع بعين واحدة، دون تقدير لما قدمه هؤلاء من تضحيات وجهود؟
قطع شك تاني
من وقف مع الدولة في أصعب أيامها، ودعم اقتصادها، وأسند جيشها، وآوى أبناءها النازحين… يستحق أن يُستمع إليه قبل أن يُتخذ أي قرار يمس مستقبله. فالدولة القوية لا تنسى من وقف معها، بل تبني معهم المستقبل.







