مقالات

شاذلية العشا تكتب.. إثيوبيا والسودان… أخوّة التاريخ أمام اختبار السياسة

بين السودان وإثيوبيا تاريخ طويل من الجوار الإنساني والتداخل الاجتماعي الذي لم تفصله الحدود بقدر ما جمعته الجغرافيا والمصالح المشتركة والعلاقات الممتدة عبر الزمن حيث ظل الشعبان يرتبطان بروابط إنسانية وجغرافية عميقة جعلت من العلاقة بينهما أكثر من مجرد علاقة دول متجاورة
اليوم تقف هذه العلاقات أمام اختبار حقيقي في ظل ما يشهده إقليم القرن الأفريقي من تعقيدات أمنية وتوترات سياسية متصاعدة تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة وضبط النفس وتغليب صوت العقل على منطق التصعيد
وفي هذا السياق تبرز ضرورة أن تعيد إثيوبيا حساباتها بدقة في تعاملها مع تطورات الإقليم وأن تدرك أن استقرارها وأمنها الوطني لا يمكن أن يكونا في أي لحظة جزءا من صراعات الجوار أو ساحة مفتوحة لتداخلات تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي
كما أن أي انخراط مباشر أو غير مباشر في النزاعات الداخلية للدول أو السماح باستخدام الأراضي أو الأجواء بما يهدد أمن واستقرار المنطقة لن يؤدي إلا إلى توسيع دائرة التوتر وإضعاف منظومة الأمن الإقليمي بما ينعكس سلبا على جميع الأطراف دون استثناء
وفي المقابل فإن السودان يؤكد بوضوح أنه لا يسعى إلى توسيع دائرة الصراع مع أي دولة مجاورة وأن أولويته هي حماية أمنه الوطني واستعادة استقراره الداخلي ورفض أي تدخلات خارجية أو أي استخدام للأراضي أو المنافذ في دعم أو تغذية النزاعات المسلحة التي تهدد سيادة الدولة ووحدة أراضيها
إن استقرار إثيوبيا واستقرار السودان مسؤولية مشتركة لا يمكن أن تتحقق عبر تبادل الاتهامات أو التصعيد الإعلامي بل عبر الالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول والعمل على بناء الثقة بين دول الإقليم على أسس واضحة من الاحترام المتبادل
إن المرحلة الحالية تتطلب خطابا سياسيا أكثر وعيا ومسؤولية يبتعد عن التوتر ويغلق أبواب الاستفزاز ويفتح بدلا عنه مسارات الحوار والتفاهم لأن أي رهانات على دعم أطراف مسلحة أو الانحياز في الصراعات الداخلية لن تقود إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار في منطقة هي أصلا شديدة الحساسية
وفي النهاية تبقى الحقيقة الثابتة أن أمن المنطقة لا يتجزأ وأن أخوّة الشعوب أكبر من تقلبات السياسة وأن مستقبل القرن الأفريقي لن يصنعه التصعيد بل تصنعه الحكمة وضبط النفس واحترام سيادة الدول وحسن الجوار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى