قائد الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» اللواء ركن الصديق الجيلي في حوار مع «حواس الإخبارية

قائد الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» اللواء ركن الصديق الجيلي في حوار مع «حواس الإخبارية»
الهجانة.. تاريخ من الصمود لا ينكسر
حاصروا الأبيض.. ففشلت كل موجات الهجوم على المطار والمدينة
معلمة وابنتها ضمن شهداء مدرسة أب ستة.. وتضحيات المعلمين يجب أن تُدرّس للأجيال
مبادرات شعبية وفّرت الوقود والبطاريات والزيوت.. والجيران كانوا يحملون وجبات الإفطار للارتكازات
حاوره: محمد أحمد كباشي
منذ أن ارتبط اسمها بمدينة الأبيض، ظلت الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة» عنواناً حاضراً في تاريخ شمال كردفان، ليس باعتبارها وحدة عسكرية فحسب، وإنما بوصفها جزءاً من ذاكرة المدينة وأمنها واستقرارها. وفي خضم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، وجدت الهجانة نفسها أمام اختبار استثنائي، في وقت كانت فيه قوات الفرقة خارج المدينة تؤدي مهام أخرى.
وفي هذا الحوار مع «حواس الإخبارية»، يستعيد قائد الفرقة الخامسة مشاة، اللواء ركن الصديق الجيلي عبد الرحيم ، محطات من تاريخ الهجانة، ويتحدث عن بداية الحرب، والظروف التي واجهتها الفرقة، ومحاولات مليشيا الدعم السريع السيطرة على مطار الأبيض وإسقاط المدينة، وكيف تعاملت القوات مع الحصار والهجمات المتكررة،
بدايةً، نريد أن تحدثنا عن تاريخ الفرقة الخامسة مشاة «الهجانة»، وكيف وصلت إلى الأبيض واستقرت فيها؟
الهجانة لها تاريخ طويل وممتد، ومرت بمراحل عديدة إذ تم تكوينها في جبل طرة بمصر ثم انتقلت الى شمبات ومنها إلى بارا قبل أن تستقر في مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان وتنفتح في شمال وغرب كردفان . وهذا التاريخ جعلها مرتبطة بالمنطقة والمجتمع، وأصبحت جزءاً أصيلاً من تاريخ الأبيض وشمال كردفان.
والهجانة ليست مجرد اسم لفرقة عسكرية، وإنما إرث وتاريخ من العمل والتضحيات والمهام التي ظلت تؤديها القوات المسلحة في مختلف الظروف.
الحرب في منتصف أبريل 2023؟
مع بداية الحرب في منتصف أبريل من العام 2023، حدث تمرد قوات الدعم السريع على الدولة، وغدرت بالقوات المسلحة. وفي ذلك الوقت كانت قوات الفرقة الخامسة مشاة خارج مدينة الأبيض، تنفذ مهام أخرى.
وكانت الظروف صعبة، خاصة من ناحية قلة العتاد وعدد الجنود، لكن رجال الهجانة تعاملوا مع الموقف بإرادة قوية، وواجهوا الموجات المتتالية من الهجمات التي حاولت الوصول إلى مطار الأبيض، ومن ثم إسقاط المدينة كل ذلك تحطم تحت استبسال قواتنا الباسلة وصمود المواطن.
رغم قلة الإمكانات، كيف تمكنت الفرقة من إفشال تلك المحاولات؟
الإنسان هو الأساس. البندقية لا تقاتل وحدها، وإنما تقاتل معها الهمة والإصرار والعزيمة والعقيدة.
جنودنا استبسلوا في الدفاع عن المدينة، وتمكنوا من إفشال كل الموجات التي حاولت احتلال المطار أو التقدم لإسقاط الأبيض. كانت المعركة بالنسبة لهم معركة دفاع عن مدينة وعن مواطنين وعن تاريخ ومؤسسات.
كيف تعاملتم مع خطر اقتراب المتمردين من الأبيض؟
بدأنا في العمل على حماية المدينة من خلال إنشاء المتاريس، وكانت هناك مبادرات من الإخوة والمواطنين، وكان لهذه المتاريس أثر بالغ في إعاقة حركة العدو وتقليل قدرته على الوصول إلى المدينة.
إلى جانب ذلك قمنا بتسيير الدوريات داخل المدينة، وكان الهدف الأساسي منها بث الطمأنينة في نفوس المواطنين، والمحافظة على الأمن والاستقرار، وضمان استمرار الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها المياه والكهرباء.
الأبيض تحت الحصار..
ظلت مدينة الأبيض تقع تحت الحصار، وكان المواطنون والقوات المسلحة يعيشون ظروفاً بالغة الصعوبة. لكن رغم ذلك استمرت المقاومة والصمود، وظلت الهجانة تؤدي واجبها في الدفاع عن المدينة والمحافظة على استقرارها.
وكان التحدي كبيراً، لأن المعركة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت معركة صمود مجتمع كامل
ظلت الأبيض تحت الحصار لفترة طويلة.. كيف تعامل المواطنون مع تلك الظروف؟
ظلت الأبيض تحت وطأة الحصار، وواجه المواطنون خلال تلك الأيام ظروفاً قاسية جداً، لكنهم صمدوا ولم يتزحزحوا. ومع مرور الوقت تكيفوا مع ظروف الحصار والقصف المتواصل الذي كانت تتعرض له المدينة بالأسلحة الثقيلة.
هذا الصمود الكبير من المواطنين كان بالنسبة لنا في الفرقة الخامسة مشاة دافعاً إضافياً، وشكل سنداً معنوياً للقوات التي كانت تدافع عن المدينة.
ماذا تقولون عن دور
حكومة الولاية والمؤسسات المدنية خلال فترة الحصار؟
لا بد هنا من الإشادة بوقفة حكومة الولاية، وعلى رأسها الأخ الوالي، وكذلك بالقرار الشجاع الذي اتخذته الحكومة بفتح المدارس رغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها الأبيض.
والتحية نسوقها للمعلمين والمعلمات الذين واصلوا أداء رسالتهم في ظروف استثنائية، وقدموا نماذج عظيمة في الصمود.
ومن المؤلم أن مدرسة أب ستة الثانوية بنات قدمت عدداً من الشهداء والجرحى، ومن بينهم المعلمة فتحية البارودي التي استشهدت ومعها ابنتها. وهذه التضحيات، في تقديري، ينبغي ألا تُنسى، بل يجب أن تكون جزءاً من المقرر الذي يدرس للأجيال حتى تعرف كيف وقف أهل الأبيض في هذه الظروف.
ما سر العلاقة الخاصة بين مواطن الأبيض والقوات المسلحة؟
مواطن الأبيض يعشق الجيش ويعشق الجندية، وعلى وجه الخصوص «الهجانة أم ريش». يكاد لا يخلو منزل في الأبيض من فرد ينتمي إلى القوات المسلحة، وهناك أسر تضم سبعة أفراد أو أكثر ممن خدموا أو يخدمون في المؤسسة العسكرية والأجهزة النظامية الأخرى.
ولذلك كان طبيعياً أن يكون للمواطنين دور بارز في معركة الدفاع عن مدينتهم، إلى جانب القوات المسلحة.
وقد شاركت المؤسسة السودانية لقدامى المحاربين، وقوات الاحتياط، والمستنفرون وغيرهم، في تشكيل حائط صد إلى جانب القوات المسلحة أمام الهجمات.
اوكيف تصفون الدور الشعبي خلال تلك الفترة؟
ما يميز مواطن الأبيض هو الجهد الكبير الذي بذله في معركة الكرامة، من خلال تبني عدد كبير من المبادرات التي كان لها أثر واضح في دعم القوات وإحداث فارق في المعركة.
الجيران الذين يقطنون حول الفرقة كانوا يصرون على إحضار الوجبات، خاصة وجبة الإفطار، إلى الجنود. وحتى عندما تكون هناك مناسبة زواج، كان أصحاب المناسبة يحولون وجبة الإفطار كاملة إلى الفرقة وإلى الدفاعات والارتكازات.
هذه المواقف لا يمكن أن تُنسى، لأنها تعكس العلاقة بين الجندي والمواطن، وتؤكد أن المعركة لم تكن مسؤولية القوات المسلحة وحدها.
هل كانت هناك مبادرات محددة لدعم الهجانة؟
نعم، ظهرت مبادرات عديدة، من بينها مبادرة أبناء السودان لدعم الهجانة، وكان لها دور كبير في توفير الوقود لعمليات التتريس، إلى جانب الإسهام في توفير البطاريات وزيوت العربات ودعم القوات المشتركة.
كما كانت هناك مبادرات أخرى مثل «الأبيض لن تموت»، ومبادرة عشم بابكر، و«رجال حول الهجانة»، وكلها مبادرات تعكس حجم الالتفاف الشعبي حول المدينة والقوات المسلحة.
هل اقتصرت علاقة الفرقة بالمواطنين على الجانب العسكري؟
الهجانة ظلت ملتحمة بالمواطنين، ولم تكن بعيدة عن مجتمع الأبيض. كنا نشارك المواطنين في مناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم، ونشارك في الدورات الرياضية، ومن بينها دورة الصمود والتحدي.
كما شاركنا في زيارات المرضى والجرحى وتقديم السند لهم، والمساهمة في تشييد بعض الفصول بالمدارس وتوفير الإجلاس، وحفر الآبار، والمساهمة في دفع الرسوم الدراسية لبعض الطلاب، ودعم أسر الشهداء، سواء من المدنيين أو العسكريين.
وما نقوم به ليس منّة على أحد، وإنما هو جزء من الدين الذي على رقابنا تجاه أهلنا ومجتمعنا.
ما رسالتكم للشعب السوداني في ظل هذه الظروف؟
لا شك أن التفاف الشعب السوداني خلف قواته المسلحة ودعمه ومساندته لها يمثل أحد مرتكزات الوحدة الوطنية.
ونطمئن أهلنا بأن السودان لن يؤتى من قبله، وأن الهجانة موجودة، وأن الأبيض لن تُستباح.
نحن نستمد قوتنا أيضاً من ذاكرة التاريخ، ومن الدروس التي لقّنها أجدادنا للمستعمر في معركة شيكان. ولذلك فإن الأبيض ستظل عصية على كل من يحاول النيل منها.
ونعتقد أن بشائر النصر قد لاحت من خلال الانفتاح الكبير وتضييق الخناق على المليشيا.
إن كان من كلمة اخيرة؟
أوجه التحية للقيادة العليا للقوات المسلحة، ولرفقاء الدرب من منسوبي القوات المسلحة في كل شبر من أرض السودان وفي جميع مسارح العمليات.
والتحية لكل من اصطف إلى جانب القوات المسلحة، والرحمة والمغفرة لأرواح الشهداء من المدنيين والعسكريين، وعاجل الشفاء للجرحى، ونسأل الله عودة المفقودين إلى أهلهم سالمين.






