محمد مصطفى النور الأمين المكلف للجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم لـ حواس الاخبارية

السلام لا يُصنع على طاولات المفاوضات.. بل يُزرع في عقول البشر
الحرب دمّرت مدارس وجامعات ومكتبات.. ونهبت نحو 5 آلاف قطعة أثرية
نعمل مع «الإنتربول» والخارجية والعدل والأجهزة المختصة لاسترداد الممتلكات الثقافية
السودان أمام المجلس التنفيذي لليونسكو.. ونعد ورقة تكشف حجم الأضرار والاحتياجات
الإعلام يقف أمام نقطة مفصلية: إما أن يقودنا إلى بر الأمان أو يعمّق الأزمة
كشف د. محمد مصطفى النور، الأمين المكلف للجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، عن تحركات واسعة تقودها اللجنة بالتنسيق مع عدد من الجهات الوطنية والدولية لإنقاذ وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والثقافية والعلمية والتراثية التي تعرضت للدمار والنهب جراء الحرب، مؤكداً أن الجهود لا تقتصر على إعادة الإعمار، وإنما تمتد إلى استرداد الممتلكات الثقافية السودانية التي هُرّبت إلى الخارج والعمل على رقمنتها لإثبات هويتها وملكيتها.
وقال النور، في حوار مع «شمس السودان »، إن الحرب ألحقت أضراراً بالغة بقطاعات التعليم والثقافة والعلوم، ودمرت عدداً من المدارس والجامعات والمكتبات والمعامل ومراكز البحوث، فضلاً عن الأضرار التي طالت المتاحف والمواقع الأثرية والتراثية، مشيراً إلى نهب نحو 5 آلاف قطعة أثرية من المتحف القومي، بجانب تعرض عدد من المتاحف والمواقع التراثية للضرر.
كاشفاً عن تنسيق مع وزارة الخارجية والإنتربول والمخابرات العامة وهيئة الاستخبارات العسكرية ووزارة العدل وغيرها من الجهات ذات الصلة.
وأشار إلى أن السودان يستعد لطرح ملف الأضرار التي لحقت بقطاعاته التعليمية والثقافية والعلمية والتراثية أمام المجلس التنفيذي لليونسكو في باريس، من خلال ورقة فنية تتضمن حجم الأضرار والاحتياجات الوطنية، بما يساعد في حشد الدعم والتمويل لمرحلة إعادة الإعمار
حاوره : محمد أحمد كباشي
ما الفلسفة التي قامت عليها اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم؟
بدأت اللجنة تحت مسمى اللجنة الوطنية لليونسكو، والفكرة الأساسية التي قامت عليها اليونسكو بعد الحرب العالمية الثانية هي أن السلام لا يتحقق فقط بالقرارات السياسية أو الاتفاقيات على طاولات المفاوضات، وإنما يبدأ من زرع السلام في عقول البشر.
ولهذا ارتبط عمل اليونسكو بالتعليم والثقافة والعلوم والإعلام، لأن بناء السلام يحتاج إلى إنسان متعلم وواعٍ، وإلى ثقافة تعزز التعايش، وإعلام ينشر السلام بدلاً من الصراع.
إلى أي مدى يتداخل عمل اللجنة مع مؤسسات الدولة؟
التداخل واسع جداً، لأن قطاعات اليونسكو تشمل التربية، والعلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية والإنسانية، والثقافة، والاتصال والمعلومات.
وهذه القطاعات ترتبط بعمل عدد كبير من الوزارات والمؤسسات، لذلك نص النظام التأسيسي لليونسكو على إنشاء لجان وطنية تكون حلقة الوصل بين الدولة والمنظمة.
والسودان من أوائل الدول العربية التي أنشأت لجنة وطنية، وذلك بعد انضمامه إلى اليونسكو في العام 1958.
ما طبيعة علاقة اللجنة بالمنظمات الدولية والإقليمية؟
اللجنة هي حلقة الوصل بين السودان والمنظمات العاملة في مجالات التربية والثقافة والعلوم، وفي مقدمتها اليونسكو والإيسيسكو والألكسو.
ونقوم بدور تنسيقي واستشاري وتنفيذي، ونساعد المؤسسات الوطنية على الوصول إلى الفرص المتاحة، وكتابة المشروعات والتقديم للتمويل، إلى جانب الإشراف على تنفيذ بعض المشروعات وتصفية المشروعات وإبراء ذمة السودان أمام الجهات الممولة.
هل يقتصر عمل اللجنة على الخرطوم؟
اللجنة جهاز قومي مقرها الخرطوم، وليست لديها أفرع بالولايات، لكن عملنا يمتد إلى معظم الولايات.
لدينا برامج ومشروعات في عدد من الولايات، ويجري العمل حالياً في البحر الأحمر وكسلا وسنار، ومن بينها ورشة في البحر الأحمر ومشروع لإعادة تأهيل مدرسة في سنار.
كيف تصفون حجم الخسائر التي خلفتها الحرب؟
حجم الضرر كبير جداً، فقد دُمرت مدارس، وتحولت أخرى إلى مآوٍ للنازحين، واستخدمت بعض المدارس كمواقع عسكرية.
كما دمرت جامعات ومكتبات ضخمة، من بينها مكتبة جامعة الخرطوم ومعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية ودار الوثائق القومية، إلى جانب معامل استاك ومعامل الجامعات ومراكز البحوث.
وفي الجانب الثقافي تعرض المتحف القومي للنهب، وفُقدت نحو 5 آلاف قطعة أثرية، كما تعرضت متاحف ومواقع تراثية أخرى للضرر، بينها بيت الخليفة ومتحف السلطان بحر الدين ومتحف السلطان علي دينار في الفاشر.
كما تعرضت بعض المواقع الأثرية، مثل البجراوية والبركل، لضغوط سكانية تهدد سلامتها.
ماذا تفعلون الآن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟
نعمل على مسارات متعددة، أولها وضع خطة طارئة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ثم الانتقال إلى إعادة التأهيل والإعمار.
ومن أهم الملفات التي نعمل عليها استرداد الممتلكات الثقافية التي هُربت إلى الخارج ورقمنتها لإثبات هويتها وملكيتها.
وهناك تواصل مع وزارة الخارجية والإنتربول والمخابرات العامة وهيئة الاستخبارات العسكرية ووزارة العدل وغيرها من الجهات.
وقد تم بالفعل استرداد بعض المنهوبات من المتحف القومي، والجهود مستمرة لاستعادة بقية الممتلكات.
وماذا عن رقمنة التراث السوداني؟
الرقمنة أصبحت ضرورة وليست خياراً، لأنها تساعد في إثبات هوية القطعة الأثرية وملكيتها، وتدعم جهود استرداد الممتلكات المنهوبة.
وقد وقع السودان على اتفاقية العام 1970 الخاصة بمكافحة الاتجار غير المشروع في الممتلكات الثقافية، لكن تنفيذها يحتاج إلى قاعدة وطنية قوية للبيانات والرقمنة، وهو ما نعمل عليه بالتعاون مع الهيئة القومية للآثار والمتاحف.
ماذا أعددتم للمرحلة المقبلة؟
نعمل على تنفيذ ورشة في المتحف القومي، واستقدمنا خبيرة في مجال التراث الثقافي من باريس لتدريب العاملين على رصد وتقدير حجم الضرر الذي أصاب المؤسسات الثقافية.
هناك معايير عالمية لتقييم الأضرار وتحديد الاحتياجات، ومن خلالها يمكن تحديد أولويات إعادة التأهيل والتمويل.
وفي الخامس من أكتوبر المقبل يبدأ اجتماع المجلس التنفيذي لليونسكو في باريس، والسودان سيكون ضمن أجندة المجلس.
ونعمل الآن على إعداد ورقة فنية تكشف حجم الضرر والاحتياجات الوطنية للسودان، حتى نقدم للمجتمع الدولي صورة دقيقة عن حجم الكارثة وما يحتاجه السودان لإعادة بناء قطاعاته التعليمية والثقافية والعلمية.
ما دور الجامعات السودانية في حماية التراث؟
هناك اهتمام كبير من الجامعات بالتراث والثقافة، ومن بينها جامعة الخرطوم والنيلين وشندي ودنقلا والقضارف، إلى جانب جامعات أخرى تدرس تخصصات تصب في خدمة التراث السوداني.
ونحن معنيون بتعزيز هذا الدور وربط المؤسسات الأكاديمية بالجهات العاملة في مجال الثقافة والتراث.
ما رسالتكم للقائمين على قطاعات عمل اليونسكو؟
التشبيك هو المفتاح الحقيقي لاستقطاب التمويل.
واحدة من مشكلاتنا هي العمل الفردي داخل القطاعات، وهذا يجعلنا نكرر التجارب ونقع في الأخطاء نفسها.
نحتاج إلى أجسام وآليات للتشبيك والتنسيق حتى تتكامل الجهود ولا يحدث تضارب بين المؤسسات.
وما رسالتكم للسودانيين في هذه المرحلة؟
السودان يمر بظروف استثنائية للغاية، وهذا يتطلب عملاً استثنائياً وتجرداً ونكراناً للذات.
يجب أن يكون التفكير الجمعي مقدماً على التفكير الفردي، وأن نفهم أن نجاح الجماعة هو في النهاية نجاح للفرد.
وأخيراً.. ماذا تقولون للإعلام السوداني؟
رسالتنا للإعلام هي المهنية والارتقاء بالمهنة وامتلاك أدواتها، والتحقق من المعلومات والمصادر واحترامها.
كما يجب أن يكون الإعلام حساساً تجاه الضحايا وأسر المفقودين، فهذه مسؤولية مهنية وإنسانية ومجتمعية.
الإعلام اليوم يقف أمام نقطة مفصلية؛ فإما أن يساعد السودان على الخروج إلى بر الأمان، أو يسهم في تعميق الأزمة.
العالم يمكن أن يتشكل من خلال خبر أو صورة أو «ترند»، ولذلك فإن مسؤولية الإعلام اليوم كبيرة جداً.







