محمد أحمد كباشي يكتب.. تميد النافعاب… مدرسة تستغيث وحكومة

تحتفل
في الوقت الذي تُنصب فيه صيوانات الفرح وترتفع أصوات الزغاريد، وتُوزع الحلوى والهدايا على الناجحين، وتتسابق حكومة الولاية، من الوالي إلى المديرين التنفيذيين، لتقديم التهاني والتقاط الصور التذكارية مع المتفوقين، تغيب عن المشهد مأساة أخرى لا تقل أهمية، وهي التدني المريع في نتائج الشهادة المتوسطة بمدرسة تميد النافعاب المشتركة بمحلية شندي.
فالاحتفاء بالنجاح مطلوب، لكنه لا ينبغي أن يحجب الأنظار عن المدارس التي تستغيث، ولا عن التلاميذ الذين يدفعون ثمن نقص المعلمين وضعف البيئة التعليمية
ليس هناك خطرا أشد ايلاما بعد الحرب من مدرسة تفتقد المعلم، ولا أشد قسوة من طفل يحمل حقيبته إلى فصل لا يجد فيه من يعلّمه. فحين تنهار المدرسة، لا يسقط مبنى، وإنما يسقط مستقبل وطن بأكمله.
ما يحدث في مدرسة تميد النافعاب المشتركة بمحلية شندي ليس مجرد نقص في المعلمين أو ضعف في البيئة المدرسية، بل جرس إنذار يدق بعنف في وجه كل مسؤول. فالنتائج المتراجعة ليست أرقاماً صامتة، وإنما شهادة إدانة لواقع تعليمي يحتاج إلى وقفة شجاعة قبل أن يتحول إلى كارثة يصعب علاجها.
الأكثر إيلاماً أن الأهالي لم يقفوا مكتوفي الأيدي، بل تحملوا ما يفترض أن تتحمله الدولة، وأنفقوا من قوتهم لسد العجز، وجمعوا المال لتوفير معلمين حفاظاً على مستقبل أبنائهم. لكن هل يُعقل أن تتحول مسؤولية التعليم من واجب الدولة إلى عبء على المواطن؟ وهل يُترك مستقبل الأطفال رهينة للإمكانات المحدودة للأسر؟
قطع شك…
إذا كانت الدولة تبحث عن مستقبل السودان، فلتبدأ من الفصل الدراسي، لا من المكاتب المكيفة. فالطفل الذي يُحرم اليوم من معلم كفء، قد يصبح غداً ضحية للجهل أو الفقر أو الضياع وسط عدو متهجم يفتك بعقول الشباب.
إنقاذ مدرسة تميد النافعاب ليس خدمة لمنطقة بعينها، بل واجب وطني، لأن الأوطان لا تُهزم فقط في ميادين القتال، وإنما قد تُهزم أيضاً عندما يُهمل تعليم أبنائها.
قطع شك…
على وزير التربية والتعليم بولاية نهر النيل، الدكتور أحمد حسن ياسين ، أن يتوجه فوراً، وبرفقة فريق من الوزارة، إلى منطقة تميد النافعاب، وأن يجلس مع أهلها وإدارة المدرسة والمعلمين، للوقوف على الأسباب الحقيقية وراء تردي النتيجة، ووضع معالجات عاجلة قبل انطلاق العام الدراسي الجديد. فالمطلوب اليوم ليس بيانات ولا احتفالات، وإنما قرارات ميدانية تعيد الثقة في المدرسة، وتحفظ حق أبناء المنطقة في تعليم يليق بهم وبمستقبل السودان.
قطع شك أخير…
وللذين يرفعون شعار التهميش في كل مناسبة، فإن تميد النافعاب ليست منطقة نائية مجهولة، بل هي مسقط رأس الدكتور نافع علي نافع، الذي كان يوماً من أبرز رجال الدولة وأكثرهم نفوذاً.
ويبقى السؤال مشروعاً: كيف آلت أوضاع مدرسة هذه المنطقة إلى هذا الحال؟
ورسالة خاصة إلى عمدة النافعاب، سعد محمد عثمان: أهلكم ينتظرون منكم أن تكونوا في مقدمة الساعين لإنقاذ مدرستهم، وأن تُسخَّر المكانة والعلاقات والجهود لخدمة التعليم، فهو الاستثمار الذي يبقى أثره للأجيال. فالنجاح في أي موقع اجتماعي أو إداري يزداد قيمة عندما ينعكس على واقع المجتمع، وتكون المدرسة أول المستفيدين.
فالمجد الحقيقي لا تصنعه المناصب ولا المنافسات، وإنما يصنعه طفل يجد معلماً، ومدرسة تستعيد رسالتها، وجيل يُمنح فرصة عادلة لبناء مستقبله.







