مقالات

محمد أحمد كباشي يكتب. (مسك) … قرية تنتظر من يمسح عنها غبار النسيان

  

(

ليست كل المعارك تُخاض بالسلاح، فهناك معارك يخوضها المواطن يومياً في سبيل الحصول على حقه في التعليم والمياه والصحة والخدمات الأساسية. وما كشفه التقرير الميداني من قرية مسك بمحلية حلفا الجديدة يضع الجميع أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية لا تحتمل التأجيل.

في مسك، لا يطالب الأهالي بالكماليات، وإنما بأبسط مقومات الحياة. أطفال يدرسون في ظروف بالغة القسوة، وأسر تعاني للحصول على المياه والخدمات، وواقع يحتاج إلى تدخل عاجل قبل أن تتحول المعاناة إلى أمر اعتيادي لا يلتفت إليه أحد.

الزيارة التي قادها المدير التنفيذي لمحلية حلفا الجديدة إلى مشروعات التعليم خطوة تستحق الإشادة، لكنها يجب ألا تكون نهاية المطاف. فالزيارات تكتسب قيمتها عندما تتحول إلى قرارات، والقرارات تكتسب معناها عندما تصبح خدمات يلمسها المواطن على أرض الواقع.

قطع شك… إن تنمية الريف ليست شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما التزام تجاه مواطن ظل صامداً في أرضه رغم كل الظروف. وأهالي مسك قدموا نموذجاً في الصبر والثبات، وحان الوقت لتبادلهم الوفاء بالعمل.

إننا نناشد حكومة ولاية كسلا، ومحلية حلفا الجديدة، والوزارات المختصة، والمنظمات الوطنية والدولية، أن تجعل من قرية مسك أولوية عاجلة، عبر استكمال مشروعات التعليم، وتحسين خدمات المياه، ودعم القطاع الصحي، وتأهيل الطرق والخدمات الأساسية، حتى يشعر المواطن بأن الدولة تقف إلى جانبه.

فالمواطن لا يريد وعوداً جديدة… بل يريد مدرسة تليق بأبنائه، وماءً نظيفاً في متناول يده، ومركزاً صحياً يحفظ كرامته، وطريقاً يربطه بالحياة.

قطع شك… إن إنصاف مسك ليس منحة، بل حقٌ أصيل، وتأخير الحقوق يزيد فاتورة المعاناة، بينما المبادرة اليوم ستكتب صفحة مشرقة في سجل المسؤولية تجاه إنسان هذه المنطقة.

ومن أكثر المشاهد إيلاماً في مسك، أن قريةً كاملة لا توجد فيها خريجة جامعية واحدة، في وقت أصبحت فيه بنات القرى السودانية يساهمن في التعليم والصحة والعمل العام وصناعة الوعي داخل مجتمعاتهن. إنها ليست مجرد إحصائية، بل مؤشر قاسٍ على سنوات طويلة من الحرمان والتهميش، وعلى فرص ضاعت في الطريق بسبب غياب البيئة التعليمية المناسبة. فحين تُحرم فتاة من التعليم، لا تخسر أسرتها وحدها، بل تخسر القرية بأكملها معلمةً أو طبيبةً أو مهندسةً أو قائدةً كانت قادرة على إحداث التغيير.

قطع شك

 لن تنهض قرية مسك إلا إذا أصبح التعليم مشروعاً لإنقاذ الإنسان، لا مجرد مبانٍ تُشيد. فالقرية التي لم تُخرج حتى اليوم خريجة جامعية تستحق أن تكون على رأس أولويات الدولة، لأن الاستثمار في تعليم أبنائها وبناتها هو الطريق الأقصر لإنهاء دائرة الفقر والتهميش، وصناعة مستقبل يليق بإنسان هذه الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى