مقالات

جاد الرب عبيد (جادو) يكتب أرقي.. ليك الف سلام قبل ماتجف دموع العين

أرقي.. ليك الف سلام قبل ماتجف دموع العين

استيقظ أهل أرقي فجر امس الخميس، على أصوات مآذن المساجد وهي تنعي رجلاً عظيماً شامخاً شموخ رجالها الأوفياء، ودوداً، حليماً، طيب المعشر، حمل اسمها وطاف به بين القرى والحضر بل وصدره إلى العالم، قبل أن يصدر الأغنية نفسها، كيف لا وهذا الرجل هو الفنان المخضرم عبدالرحيم عبدالحفيظ حاج الشيخ (أرقي) ، صاحب الصوت العذب والألحان الشجية، والذي برحيله فتح في القلوب جرحاً جديداً قبل أن يندمل جرح الرحيل المر للفنان الهرم صديق أحمد التاجر .

نعم انه عبدالرحيم أرقي او (ود نفيسة) كما يحلو لبعض الأرقاوة، فناناً مختلفاً في كل شي، قدم ولم يستبقي شيئاً في ضروب الفن، غير ان مسيرته الفنية الحافلة بالعطاء وضعت امتحاناً صعباً لمن يريد أن يمضي في دربه ويردد أغانيه.

ضرب ود أرقي بالمقولة الشائعة (زامر الحي لا يطرب) عرض الحائط، فقد اطرب أهله أيما تطريب وأسر قلوبهم، حتى النخيل يتمايل مع عذوبة ألحانه، ويعتبر من أكثر الفنانين وفاءً لمسقط رأسه، حيث تغني بأرقي كثيراً (أرقي يا بلدي العزيزة اللا بتخوني ولا بتغدري)، و(شوقي لي أرقي ونخيلة وللجداول التسقي تطلع) وغيرها من الاغنيات التي ستظل خالدة في وجدان السودانيين.

تعامل مع العديد من الشعراء، ورغم النجاح الذي حققه مع أبناء قريته، من لدن اولاد ابوسير عبدالله وعلاءالدين وعثمان عوض ضرار وعباس عيسي وعبدالمنعم ابونيران وإبراهيم عبدالوهاب ومحمد خليفة ومحمود احمد محمود والنور شوتال… الخ، إلا أن أرقي لم يحصر نفسه على أبناء جلدته فقط، بل امتد تعامله الي خارجها فقد تغني للخالدين شقوري والباشا والفاتح ابراهيم بشير والسر عثمان الطيب وخليفة عثمان واحمد الانصاري وعبدالله محمد خير وكدكي وغيرهم من مبدعي بلادي.

ولأن رحيل ارقي ليس حدثاً عادياً فقد شغل التايم لاين يوم أمس، وكان التريند والشغل الشاغل للناس، فقد نعاه الآلاف مسؤولون، مثقفون، اعلاميون، فنانون، شعراء، مهتمون، منصات اعلامية، قنوات فضائية داخلية وخارجية، ومؤسسات مختلفة، لم يتركوا لنا شيئاً لنقوله، اوفوا وكفوا، كيف لا فالرجل يستحق هذا وأكثر.. وعلى المستوى الشخصي لفت نظري نعي الباشمهندس ابراهيم احمد الحسن _ شركة زين، ومن الجندر الشاعرة ايمان ابنعوف.

أرقي بطبيعته يتمتع بخلق رفيع وأدب جم لا يزعل أحد ولا أحد يزعل منه، (مسالم وديمه طبعو حنين)، سجله في وسائل الإعلام المختلفة – على قلته – خالي من انتقاد لزميل او شاعر، لا يخرج منه إلا الهواء البارد، واذكر في حوار لي معه بمنزله في الجرافة وبعد أن ابحرت معه في الأسئلة الباردة باغته بسؤال ساخن : لماذا رفضت التعامل مع الشاعر (…..) في وقت كان جميع الفنانون يتمنون التعامل معه، رد بسرعة منزعجاً : (يا جادو ياخي مالك داير تجيبلي المشاكل السؤال دا خلو).

بل مضي إلى أبعد من ذلك في الطيبة والمسالمة، عندما ردد العديد من فناني الغناء الحديث اغنياته وفيهم من اجادها ومن خرمجها، لم نسمع له صوتا او نقرأ حرفاً ناقداً لأحد او مطالباً بحقوقه الأدبية والمادية.

لم يكن أرقي (سحابة صيف) عابرة، بل كان بسمة عريضة في وش الزمان الشين، كنا نفرح عندما نجده مشاركاً في برنامج ونحن طلاب وقتها، كان يشاركنا برامجنا واحتفالاتنا، ولا يقبل ان نشاركه في وقود عربته حتى .

كنت حريصاً ان يتغنى أرقي في يوم زفافي وان يزفني برائعة عبدالله ابوسير (تم الدين سيرو)، ولم يخذلني الرجل كدأبه، فجاء من امدرمان حباً وتقديراً، ولكن ما احزنني يومها عدم قدرته على مواصلة الغناء واقفاً لظروفه الصحية، ليرسم ذلك الموقف في نفسي غصة وقصة مريرة، ستظل محفورة في ذاكرتي ما حيينا.

عبدالرحيم في ايامه الأخيرة انهكه واتعبه المرض لا سيما داء السكري، والذي نال من عافيته وجسده، ولكن لم يجده إلا صابراً محتسباً بذات ابتسامته، وفي زيارتي الأخيرة له بمستشفى الدبة، قلت له وانا خارج منه (يا استاذ داير حاجة انا ماشي)، رد: (دايرك تشكر لي إدارة المستشفى والدكاترة على اهتمامهم) ، لله درك أرقي وانت في عز وجعتك حافظاً للجميل وفياً ومخلصاً .

أرقي.. مهما تحدثنا لن نستطيع ان نوفيك حقك وليس بوسعنا الآن غير ان ندعو لك بالرحمة والمغفرة وان يسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.. في وداعة الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى