م نهيض محمد نهيض يكتب.. السودان بين معركة الحسم العسكري وحرب الاستنزاف الاقتصادي

✍️ مهندس نهيض محمد نهيض صالح
يدخل السودان اليوم مرحلة هي الأخطر منذ اندلاع تمرد مليشيا الدعم السريع الإرهابية على الدولة ومؤسساتها. فالمعركة لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية في ميادين القتال، بل انتقلت إلى مستوى أكثر تعقيداً يتمثل في حرب الاستنزاف الاقتصادي ومحاولات إنهاك الدولة من الداخل بعد فشل رهانات إسقاطها بالقوة العسكرية.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه عمليات الحشد العسكري للمليشيا في بعض مناطق كردفان ودارفور، تتزامن هذه التحركات مع أزمة اقتصادية متفاقمة تتمثل في ارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وتذبذب الأسواق، وتراجع الخدمات، وتزايد الضغوط المعيشية على المواطنين.
وهذه التطورات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن السياق العام للصراع الذي يستهدف السودان ووحدته واستقراره.
لقد صبر الشعب السوداني ما لم يصبره شعب آخر.
تحمل الحرب والنزوح واللجوء والجوع وفقدان الخدمات، وصمد في معركة الدفاع عن الدولة رغم حجم المعاناة والتضحيات.
وكان الأمل معقوداً على أن يقود الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي واقتصادي يعيد بناء الدولة ويخفف معاناة المواطنين.
غير أن الواقع يفرض اليوم أسئلة مشروعة حول أسباب استمرار الأزمات الاقتصادية، وحول مدى قدرة الحكومة الحالية على إدارة هذه المرحلة الحرجة من تاريخ البلاد. فالحروب لا تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما تُحسم أيضاً بالإدارة الرشيدة، والقدرة على حماية الاقتصاد، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة للمواطنين.
إن تأخير حسم المعركة في كردفان ودارفور لم يعد مجرد قضية عسكرية، بل أصبح قضية أمن قومي واستقرار وطني. فكل يوم يمر دون استعادة السيطرة الكاملة على هذه المناطق يمنح المليشيات و خصوم الدولة فرصة إضافية لإعادة تنظيم صفوفهم، ويمنح القوى الساعية لفرض مشاريع سياسية موازية فرصة أكبر للتحرك وكسب الوقت.
ومن هنا فإن أي مشروع يهدف إلى فرض واقع سياسي جديد خارج الإرادة الوطنية، أو يسعى إلى خلق سلطات موازية أو تقسيم مراكز القرار والسيادة، يمثل تهديداً مباشراً لوحدة السودان ومستقبله.
والتاريخ يعلمنا أن الدول لا تسقط دائماً بالسلاح، وإنما قد تسقط عندما تتآكل مؤسساتها وتضعف جبهتها الداخلية.
لذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب قرارات شجاعة وحاسمة، في مقدمتها:
أولاً: إجراء مراجعة شاملة لأداء الحكومة الحالية وتقييم قدرتها على إدارة الدولة في هذه المرحلة الاستثنائية، والعمل على معالجة أوجه القصور والضعف التي انعكست على حياة المواطنين.
ثانيًا: تسريع العمليات العسكرية الهادفة إلى استعادة الأمن والاستقرار في كردفان ودارفور وإنهاء حالة الاستنزاف التي تطيل أمد الأزمة.
ثالثًا: تعزيز الرقابة على مؤسسات الدولة والاقتصاد الوطني، ومكافحة الفساد والتلاعب بالموارد والأسواق، ومواجهة أي ممارسات تضر بالاقتصاد أو تستغل ظروف الحرب لتحقيق مكاسب خاصة.
رابعًا: توحيد الجبهة الداخلية خلف مشروع وطني جامع يضع مصلحة السودان فوق المصالح الحزبية والجهوية والشخصية.
إن السودان يقف اليوم أمام منعطف مصيري.
وما تحقق من صمود عسكري وتضحيات جسام يجب أن يكتمل بإصلاح سياسي وإداري واقتصادي يوازي حجم الانتصارات والتحديات.
فالنصر الحقيقي لا يقتصر على استعادة الأرض، بل يمتد إلى استعادة الدولة، وبناء المؤسسات، وتحقيق الأمن والاستقرار والعدالة للمواطنين.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، والأوطان لا تُحمى بالشعارات، وإنما بالإرادة والقرار والعمل. والسودان اليوم بحاجة إلى ذلك أكثر من أي وقت مضى.







