محمد أحمد كباشي يكتب.. زيارة وفد جنوب كردفان إلى نهر النيل… عندما تنتصر التنمية على خطاب الكراهية

في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان، حيث ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على المجتمع، وتعالت أصوات الاستقطاب وخطابات الكراهية، تبرز بعض المبادرات بوصفها رسائل وطنية تتجاوز حدود البروتوكولات الرسمية. ومن هذا المنطلق، جاءت زيارة وفد ولاية جنوب كردفان إلى ولاية نهر النيل لتؤكد أن الحوار، وتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، هي الطريق الأقصر نحو استعادة تماسك الدولة والمجتمع.
وربما كان لهذه الزيارة وقعٌ خاص بالنسبة لي، إذ تربطني بولاية جنوب كردفان علاقة وجدانية منذ الميلاد في مدينة أبوجبيهة، تلك المدينة التي عرفت عبر تاريخها بتنوعها الاجتماعي والثقافي، حتى غدت نموذجاً مصغراً للسودان بكل مكوناته، وهو ما رسخ لدي قناعة بأن التنوع ليس تحدياً، بل مصدر قوة متى ما أحسن السودانيون إدارته.
وخلال وجودي بمدينة عطبرة، تلقيت دعوة كريمة من العمدة محمد علي الفكي لحضور مأدبة إفطار بمزرعته بمنطقة كنور جنوبي بربر، وهناك علمت بوجود وفد ولاية جنوب كردفان. كانت فرصة ثمينة للقاء قيادات تنفيذية ومهنية وإدارات أهلية من منطقة الجبال الشرقية، في مشهد جسد روح السودان الواحد، وأكد أن جسور التواصل بين الولايات لا تزال قادرة على تجاوز آثار الحرب.
ولعل أكثر ما لفت الانتباه أن الزيارة لم تنطلق من البحث عن الذهب بقدر ما انطلقت من البحث عن تجربة تنموية ناجحة. فقد جاء الوفد للاطلاع على الكيفية التي استطاعت بها ولاية نهر النيل توظيف موارد التعدين في دعم الخدمات الأساسية، من مدارس ومستشفيات ومحطات مياه وطرق ومشروعات إنتاج، وهو ما يعكس فهماً متقدماً لدور الموارد الطبيعية في خدمة الإنسان، لا مجرد تعظيم الإيرادات.
كما حملت الزيارة رسالة وطنية لا تقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، إذ أكدت أن السودان يستطيع تجاوز آثار الحرب عندما تلتقي قياداته ومجتمعاته حول قضايا التنمية وتبادل المعرفة، بدلاً من الانشغال بالخلافات والصراعات. فالولايات لا تتنافس في الانقسام، وإنما في تقديم التجارب الناجحة التي يمكن تعميمها والاستفادة منها.
ومن هنا، فإن إعلان التوأمة بين ولايتي نهر النيل وجنوب كردفان ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره خطوة رمزية أو عنواناً إعلامياً، بل بوصفه نواة لشراكة استراتيجية في مجالات التعدين، والاستثمار، والتنمية، والمسؤولية المجتمعية، وتبادل الخبرات الإدارية والفنية. فحين تلتقي إمكانات جنوب كردفان مع التجربة المؤسسية التي راكمتها نهر النيل، فإن المكاسب ستنعكس على المواطنين في الولايتين، وربما تمتد إلى ولايات أخرى.
إن السودان اليوم في أمسّ الحاجة إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناته، بالتوازي مع إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فلا تنمية في بيئة يغذيها خطاب الكراهية، ولا استثمار في مجتمع تمزقه الانقسامات، ولا استقرار دون قبول الآخر والإيمان بأن مستقبل البلاد مسؤولية مشتركة.
قطع شك…
إن زيارة وفد جنوب كردفان إلى ولاية نهر النيل لم تكن مجرد زيارة عمل، بل كانت رسالة سياسية ومجتمعية وتنموية تؤكد أن الحوار، والشراكة، وتبادل التجارب، هي أدوات بناء الدولة في مرحلة ما بعد الحرب. أما الذين يستثمرون في الكراهية والانقسام، فلن يحصدوا سوى تعطيل التنمية وإهدار فرص النهوض بالسودان.
أخيراً…
من الإنصاف الإشادة بالدور المتميز الذي قامت به الشركة السودانية للموارد المعدنية في الإعداد والتنظيم والتنسيق لإنجاح هذه الزيارة، وما وفرته من بيئة مناسبة لتحقيق أهدافها. كما يستحق التقدير المهندس محمد أحمد سنا، مدير المسؤولية المجتمعية بالشركة، لقيادته المتميزة لبرنامج الزيارة، إلى جانب الأستاذ معتز حاج نور، مدير الشركة بولاية نهر النيل، والمهندس ورشة ناصر ورشة، مدير الشركة بولاية جنوب كردفان، تقديراً لجهودهم في ترسيخ مفهوم الشراكة التنموية وتعزيز التعاون بين الولايتين.







