محمد أحمد كباشي يكتب.. بين ام دم حاج أحمد ومسيرات المليشيا

لم تكن زيارة والي شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف مستصحبا معه لجنة أمن الولاية إلى محلية أم دم حاج أحمد مجرد جولة لمسؤول حكومي، وليست جلسة اجتماع عابرة بين لجنة أمن الولاية ولجنة أمن المحلية.
أن يصل والي الولاية برفقة قيادات الأجهزة الأمنية إلى محلية أم دم حاج أحمد، وأن ينعقد اجتماع لجنة أمن الولاية داخل رئاسة المحلية، وأن يتحدث المسؤولون عن الأمن والزراعة والخدمات وعودة الحياة إلى طبيعتها؛ فذلك يعني ببساطة أن المشهد في شمال كردفان تغير كثيراً وهي حقائق واقعية عايشتها شخصيا وانا اتحول بين ثلاث محليات لأكثر من اسبوعين متنقلا بين حاضرة الولاية ومحلية الرهد ابو دكنة وأم روابة .
أمس كانت الأسئلة تدور بين التوجس والترقب : أين وصلت المعارك؟ وأي الطرق آمن؟ وأين يمكن أن تتحرك المؤسسات؟
اليوم أصبح السؤال مختلفاً:
كيف تدار المناطق التي استقرت؟ وكيف يتم إعادة إليها الخدمات والإنتاج والحياة؟ ولعلها اسئلة وجهتها الي من جلست اليهم في حوارات مطولة ومن بينهم والي الولاية والذي تحدث بثقة المنتصر ليؤكد ما قاله عبر ذهابه الي محلية ام دم..
وهنا تكمن أهمية هذه المحلية .
فوجود المزارعين في مناطقهم، وممارسة النشاط الزراعي، ووجود الشرطة والأجهزة الأمنية، وانعقاد اجتماعات الحكومة والأمن داخل المحلية، كلها مؤشرات ميدانية على اتساع رقعة الاستقرار في الولاية.
والأهم من ذلك أن هذه الزيارة جاءت في وقت أحكمت فيه القوات المسلحة والقوات المساندة والأجهزة الأمنية قبضتها على معظم أنحاء شمال كردفان، بينما تتواصل العمليات في المساحات القليلة المتبقية لاستكمال تأمين الولاية.
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
فالولاية التي كانت تعيش تحت ضغط الحرب والحصار، بدأت تنتقل تدريجياً من مرحلة الدفاع عن المدن والمناطق إلى مرحلة تثبيت الأمن، وتشغيل المؤسسات، وتحريك الإنتاج، ومعالجة احتياجات المواطنين.
بعيد ان خلص اجتماع مسؤولو الولاية في أم دم حاج أحمد لمناقشة الأمن والخدمات وقضايا المواطنين، غدرت
مسيّرات المليشيا واستهدفت مواقع ومنشآت مدنية وأحياء مأهولة، مخلفة أضراراً وخسائر في ممتلكات المواطنين والمرافق الخدمية.
هنا تظهر المفارقة بأوضح صورها.
حكومة الولاية تنتقل إلى المناطق الآمنة لتبحث كيف تعود الحياة.
والمليشيا تتجه إلى الأعيان المدنية لتبحث كيف تعيد الخوف ولكن خاب ظنهم ان كان جبل كردفان يتزحزح من موقعه فإن مواطن الأبيض سيسلك طريق الجبل
نعم اجتماع حكومة الولاية ولأنها معنية بأمر المواطن فقد جاء الحديث عن الزراعة والخدمات وتأمين المواطنين.
والثانية وهي المليشيا تستخدم المسيّرات لضرب ما تبقى من مظاهر الحياة.
وهذا بالضبط ما يجعل استهداف الأبيض أكثر من مجرد هجوم عسكري؛ فهو محاولة لضرب إيقاع الحياة الذي بدأ يعود إلى المدينة وإلى شمال كردفان عموماً.
لكن الرسالة التي خرجت من أم دم حاج أحمد كانت أقوى لتأكد ان الدولة موجودة والأجهزة تعمل والمحليات تستعيد عافيتها.
المزارعون عادوا إلى حقولهم.
والحكومة تتحرك من محلية إلى أخرى لتفقد الأوضاع وبناء المرحلة القادمة.
أما ما تبقى من العمليات العسكرية، فهو جزء من استكمال تأمين الولاية وإغلاق المساحات التي يمكن أن تنطلق منها تهديدات جديدة.
ولذلك فإن المشهدين ــ أم دم حاج أحمد والأبيض ــ يجب أن يُقرآ معاً.
فبينما تحاول المليشيا بالمسيّرات أن تقول إن الحرب ما زالت قادرة على الوصول إلى المدنيين، تقول أم دم حاج أحمد إن الحياة نفسها بدأت تستعيد مواقعها على الأرض.
قطع شك..
أم دم حاج أحمد ليست خبراً عابراً؛ إنها صورة من شمال كردفان وهي تخرج من زمن الحرب إلى زمن تثبيت الدولة.. أما المسيّرات، فمهما أزعجت سماء الأبيض، لن تستطيع أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.







