مقالات

محمد أحمد كباشي كباشي يكتب.. الي الزميل الفاتح بلهول.. من نهر النيل إلى نيالا.. هاك شحنات من الوفاء

محمد أحمد كباشي كباشي يكتب.. 

الي الزميل الفاتح بلهول.. من نهر النيل إلى نيالا.. هاك شحنات من الوفاء

قرأت مقال الأخ العزيز الفاتح بهلول: «من ديوان ود ضبعة.. هاك من دار جعل»، فوجدتني أمام أكثر من مقال؛ وجدت ذاكرة مفتوحة على سنوات من المحبة، وصفحات من العلاقات التي لم تصنعها المناسبات، وإنما صنعتها المعاشرة والرزق المشترك وطيبة أهل السودان.

ولأن الجميل لا يُقابل إلا بالجميل، والوفاء لا يكتمل إلا برد الوفاء، فإنني من نهر النيل أكتب هذه الكلمات رداً على ذلك المقال الجميل، مستعيداً بعضاً من العلاقة العميقة التي جمعت أهل نهر النيل بأهل نيالا وجنوب دارفور.

ولعل من المهم أن نقول إن العلاقة لم تكن بين الجوير ونيالا وحدهما؛ فالجوير واحدة من قرى ومدن نهر النيل التي انتشر أبناؤها في نيالا، وعملوا في التجارة، وعاشوا بين أهلها، وفتحوا فيها أبواب الرزق، حتى أصبحوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمدينة.

ومن ذاكرتنا نستحضر أسماء رجال ارتبطت أسماؤهم بنيالا وأسواقها وأهلها؛ أعمامنا فتح الرحمن وحسن الحضري، وأعمامنا عثمان والحسن عوض الحسن، وعوض الشيخ، وجدنا أبو ريدة، وغيرهم من أبناء نهر النيل الذين حملوا تجارتهم إلى نيالا، فكانت المدينة لهم سوقاً وداراً وذاكرة.

لم تكن التجارة بالنسبة لهؤلاء مجرد بيع وشراء، فقد صنعت مع الأيام علاقات إنسانية عميقة. عرف التاجر أهل المدينة، وعرفوه، وعاش بينهم سنوات، وشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وأصبح السوق مكاناً للتعارف قبل أن يكون مكاناً للرزق.

ومن هنا نفهم كيف تتجاوز العلاقات الاقتصادية حدود المال لتصبح علاقات اجتماعية وإنسانية راسخة.

ونيالا جمعتنا أيضاً بصحبة المهنة

ولم تكن علاقتنا بنيالا عبر التجارة وحدها، فقد جمعتنا الصحافة والإعلام بزملاء أعزاء من أبناء جنوب دارفور ونيالا، وتوطدت بيننا علاقات مهنية وإنسانية أعتز بها وحين نزور البحير_ ارد الله غربتها وغسلها من دنس التمرد – عندهم ينتهي الكرم .

وأذكر هنا الأخ العزيز الفاتح بهلول، صاحب المقال الذي فتح هذه الذاكرة، وكذلك خالد جبريل، ومحجوب حسون، وعبد الرحمن إبراهيم عبدوش، والأستاذ الرائع محمد المختار عبد الرحمن، وغيرهم من الزملاء والأصدقاء الذين جمعتنا بهم مهنة المتاعب، فكانت الصحافة جسراً آخر بين نهر النيل ونيالا.

وهذه واحدة من أجمل خصائص الصحافة؛ فهي لا تسأل الصحفي من أي ولاية جاء، ولا إلى أي قبيلة ينتمي، وإنما تجمع أصحاب القلم حول قضية واحدة ورسالة واحدة، فتتحول الزمالة المهنية مع الأيام إلى أخوة إنسانية.

و دعني اخي الفاتح ان استرجع الذاكرة  حادثة لا أستطيع أن أكتب عن هذه العلاقة دون أن أتوقف عندها، لأنها تختصر في مشهد واحد معنى الوفاء والتضامن.

في العام 2008، تعرض أحد أبناء  الجوير، وهو ابن شقيق العقيد قسم الله، للاختطاف على يد مجموعة مسلحة، وكان والده وقتها يعمل في التجارة في نيالا.

طالبت المجموعة المسلحة بمبلغ مالي مقابل إطلاق سراح المختطف.

لكن الذي حدث بعد ذلك كان أبلغ من أي حديث عن العلاقة بين الناس.

تضامن أهل السوق مع أسرة الرجل، وأُغلقت أبواب السوق في وجه المواطنين تضامناً مع أهل الجوير، في موقف أراد من خلاله التجار وأهل نيالا إيصال رسالة واضحة بأن حياة الإنسان وأمنه ليستا قضية أسرته وحدها.

وأمام ذلك الموقف المجتمعي الكبير، تحرك الوسطاء، وبذلت جهود لإطلاق سراح المختطف، حتى انتهت القضية بإطلاق سراحه دون دفع المبلغ المطلوب.

تلك الحادثة، في تقديري، ليست مجرد واقعة عابرة في ذاكرة مدينة؛ إنها وثيقة اجتماعية حية تقول إن العلاقة بين أهل نهر النيل وأهل نيالا لم تكن علاقة تجارة ومصالح فقط.

فلو كانت المسألة تجارة وحدها، لما أُغلق السوق.

ولو كان الأمر مصلحة فردية، لما تضامن الناس.

ولو لم تكن هناك علاقة إنسانية حقيقية، لما تحرك المجتمع كله من أجل شاب واحد.

لقد كان ذلك الموقف يقول بوضوح:

أهل الجوير أهلنا.. وما يصيبهم يصيبنا.

وهذه هي قمة الوفاء.

«هاك من دار جعل».. و«هاك من نيالا»

لذلك حين نقرأ مقال الفاتح بهلول عن الجوير وود ضبعة، وعن موسى عبد العظيم وقسم الله فضل الله نصرالدين، وعن رابطة أبناء الجوير، وعن الخلاوي والتعليم والقرآن والتكافل، فإننا لا نقرأ فقط تفاصيل مناسبة جميلة، وإنما نقرأ فصلاً من كتاب طويل عنوانه العلاقات السودانية الأصيلة.

من نهر النيل ذهب رجال إلى نيالا بحثاً عن الرزق، فوجدوا أكثر من الرزق؛ وجدوا أهلاً ورفاقاً وذكريات.

ومن نيالا جاء رجال إلى نهر النيل، فلم يجدوا أرضاً غريبة، وإنما وجدوا أبواباً مفتوحة وقلوباً تعرف معنى الوفاء.

ولهذا فإن المسافة بين نهر النيل ونيالا لا تقاس بالكيلومترات.

إنها تُقاس بعدد الأسماء التي تحفظها الذاكرة، وعدد البيوت التي فتحت أبوابها، والأسواق التي جمعت الناس، والمواقف التي كشفت معدنهم الحقيقي.

ومن هنا أقول للأخ الفاتح بهلول:

لقد قلتَ: «هاك من دار جعل»، ونحن نقول:

هاك من نهر النيل..

هاك من ذاكرة أجدادنا الذين ذهبوا إلى نيالا.

هاك من أسماء رجال عاشوا بين أهلها وكسبوا رزقهم في أسواقها.

هاك من زملاء المهنة الذين جمعتنا بهم الصحافة.

وهاك من موقف عام 2008، حين وقف سوق نيالا كله مع أحد أبناء الجوير، فأُغلقت الأبواب تضامناً معه، حتى خرج من محنته حراً دون أن تُدفع الفدية.

تلك ليست حكاية للتفاخر..

إنها شهادة حق.

وشهادة الحق هنا أن نيالا حفظت لأبناء نهر النيل مكانتهم، كما حفظ أبناء نهر النيل لنيالا وأهلها جميلهم.

فشكراً للأخ الفاتح بهلول الذي أعاد بكتابته فتح هذه الصفحة الجميلة.

وشكراً لكل أبناء نيالا الذين كانوا وما زالوا جزءاً من ذاكرتنا.

وشكراً لكل أبناء نهر النيل الذين حملوا اسم مناطقهم إلى جنوب دارفور، وبنوا علاقاتهم بالناس قبل أن يبنوا تجارتهم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى