مقالات

المهندس نهيض محمد نهيض يكتب.. الحوار السوداني السوداني.. حوار وطن أم اتفاقية لتقاسم السلطة؟

✍️: الباشمهندس نهيض محمد نهيض صالح

يمر السودان بواحدة من أخطر المراحل في تاريخه الحديث، مرحلة لا تحتمل المساومات السياسية الضيقة، ولا إعادة إنتاج الأزمات القديمة، ولا إدارة مستقبل البلاد بعقلية المحاصصة وتقاسم النفوذ.
فبعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل، أصبح من الضروري أن نتوقف أمام جذور الأزمة، وأن نتعلم من أخطاء الماضي، وأن نضع مصلحة السودان فوق مصالح القوى والأحزاب والمجموعات.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما يُطرح تحت عنوان “الحوار السوداني السوداني” هو بالفعل حوار سوداني جامع، أم أنه يتجه لأن يكون اتفاقاً سياسياً لتقاسم السلطة بين قوى محددة، وعلى رأسها الصمود والتأسيس والحكومة الحالية؟
هذا السؤال ليس موجهاً ضد طرف بعينه، وإنما هو سؤال وطني مشروع، لأن السودان لا يمكن أن يخرج من حرب وانقسام ليجد نفسه أمام صيغة جديدة من الإقصاء والاستئثار بالقرار.
جذور الأزمة: الإقصاء والتهميش
من أهم الدروس التي يجب أن نستوعبها أن الإقصاء والتهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي كانا من الأسباب التي غذّت أزمات السودان المتعاقبة.
فقد ظهرت حركات مسلحة وتمردات وصراعات في مناطق مختلفة من البلاد نتيجة شعور قطاعات من الشعب بأنها خارج دائرة المشاركة والتأثير وصناعة القرار.
ولهذا فإن إعادة إنتاج الإقصاء بعد حرب 15 أبريل ستكون خطأً تاريخياً جديداً.
لا يمكن أن نبني سلاماً دائماً بعقلية الإقصاء، ولا يمكن أن نصنع استقراراً وطنياً عبر استبعاد مكونات سودانية لصالح مكونات أخرى.
فالسودان أكبر من الأحزاب، وأكبر من الحركات المسلحة، وأكبر من أي تحالف سياسي، وأكبر من الأشخاص الذين يتولون مواقع السلطة في مرحلة من المراحل.
لا حوار سوداني دون السودانيين
إذا كان الهدف فعلاً هو الوصول إلى حوار سوداني سوداني، فيجب أن يكون حواراً جامعاً، لا حواراً انتقائياً.
الحوار الحقيقي هو الذي يجلس فيه الجميع على طاولة واحدة: القوى السياسية، والمجتمع المدني، والإدارات الأهلية، والشباب، والمرأة، والمقاومة المجتمعية، والنقابات والمهنيون، والقوى التي ساندت القوات المسلحة، والقوى التي اتخذت مواقف سياسية مختلفة، ومكونات الأقاليم المختلفة، وكل من يؤمن بوحدة السودان وسيادته.
أما أن يتم اختيار مجموعة محددة لتقرر مستقبل البلاد نيابة عن الشعب، فهذا لا يمكن أن يكون الطريق الصحيح لبناء دولة مستقرة.
إما حوار يشمل الجميع، أو أن علينا أن نعيد النظر في تسمية العملية برمتها.
لا لإملاءات الخارج
السودان يحتاج إلى دعم المجتمع الدولي، لكنه لا يحتاج إلى وصاية سياسية.
هناك فرق كبير بين أن يساعد العالم السودان في الوصول إلى السلام، وبين أن يرسم الآخرون للسودانيين شكل دولتهم ومستقبلهم السياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن يتحول القرار السوداني إلى ورقة تفاوض في عواصم خارجية، وأن يصبح تشكيل السلطة وتحديد مكونات المرحلة الانتقالية خاضعاً لمصالح القوى الإقليمية والدولية.
السيادة الوطنية ليست شعاراً يرفع في المناسبات؛ السيادة هي أن يكون القرار السوداني نابعاً من إرادة السودانيين.
ومن حق الشعب السوداني أن يسأل بوضوح: من يقرر مستقبل البلاد؟ وهل أصبح قرارنا الوطني مرهوناً برؤية أطراف خارجية أو مجموعات سياسية ترى أن من حقها رسم الخريطة السياسية وحدها؟
من صنعوا الأزمة لا ينبغي أن يرسموا وحدهم مستقبل السودان
إن الذين ساهموا في تأجيج الصراع، أو دعموا الحرب سياسياً أو إعلامياً أو مادياً، لا يمكن أن يتحولوا بعد ذلك إلى أوصياء على مستقبل السودان.
ليس المطلوب الانتقام من أحد، ولا إقصاء أحد، وإنما المطلوب تحقيق العدالة السياسية والوطنية، ووضع مصلحة السودان فوق الحسابات الخاصة.
فالمرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة تأسيس دولة، لا مرحلة توزيع غنائم سياسية.
ولا يجوز أن تتحول الحرب إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة بين النخب، بينما يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، ويظل النازح واللاجئ والفقير والشاب والمرأة وأسر الشهداء والمتضررون من الحرب خارج دائرة صناعة القرار.
السودان لا يحتمل أخطاء جديدة
لقد دفع الشعب السوداني ثمناً باهظاً نتيجة أخطاء النخب السياسية والعسكرية والمدنية على مدى عقود.
واليوم، لا يملك السودان ترف ارتكاب أخطاء جديدة.
‘فأي تسوية سياسية لا تقوم على قاعدة وطنية واسعة ستؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بصورة مختلفة، وقد تفتح الباب أمام صراع جديد بعد سنوات قليلة.
لذلك فإن المطلوب ليس مجرد اتفاق ينهي الحرب، وإنما مشروع وطني يؤسس لسلام مستدام ودولة عادلة ومؤسسات قوية ومشاركة سياسية حقيقية.
المصلحة الوطنية فوق المصالح الشخصية
على كل من يتقدم للمشاركة في قيادة المرحلة القادمة أن يسأل نفسه قبل أن يسأل الآخرين:
هل أبحث عن مصلحة السودان أم عن موقع سياسي؟
هل أريد بناء دولة أم الحصول على حصة في السلطة؟
هل أبحث عن السلام أم عن تسوية تحفظ مصالح مجموعتي؟
هل أقبل أن يشارك الآخرون في صناعة المستقبل، حتى وإن اختلفوا معي؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون حاضرة أمام كل قائد وسياسي وصاحب قرار.
فالسودان لا يحتاج إلى قادة يبحثون عن حصتهم من السلطة، وإنما يحتاج إلى رجال دولة يبحثون عن حصة الوطن من الاستقرار والتنمية والعدالة والسيادة.
المطلوب: مؤتمر جامع
إن الطريق الصحيح في تقديري هو تأسيس مسار حوار وطني سوداني واسع، لا تفرض أجندته من الخارج، ولا تحتكره مجموعة سياسية واحدة.
ويجب أن تكون أولوياته:

  1. الحفاظ على وحدة السودان وسيادته واستقلال قراره.
  2. رفض الإقصاء السياسي والاجتماعي لأي مكون سوداني.
  3. الوصول إلى سلام عادل ومستدام.
  4. وضع أسس واضحة للعدالة والمصالحة الوطنية.
  5. الاتفاق على مرحلة انتقالية تعبر عن أوسع قاعدة ممكنة من السودانيين.
  6. إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المهنية والكفاءة.
  7. معالجة جذور التهميش السياسي والاقتصادي والتنمية غير المتوازنة.
  8. ضمان مشاركة الأقاليم والمجتمعات المحلية في صناعة القرار.
  9. منع أي جهة داخلية أو خارجية من فرض صيغة سياسية لا تحظى بقبول سوداني واسع.
    إن السودان اليوم أمام مفترق طرق.
    إما أن نتعلم من الماضي ونؤسس لوطن جديد يقوم على المشاركة والعدالة والمواطنة والسيادة، وإما أن نعيد إنتاج الأزمة ذاتها بأسماء وتحالفات جديدة.
    ولذلك فإن الحوار السوداني السوداني يجب أن يكون حواراً من أجل السودان، وليس حواراً لتقاسم السودان.
    لا نريد اتفاقاً يمنح كل طرف حصته من السلطة ثم يترك الشعب أمام أزمات جديدة.
    ولا نريد حواراً يختار المشاركين فيه من الخارج.
    ولا نريد تسوية سياسية على حساب وحدة الوطن وسيادته.
    نريد حواراً يجمع السودانيين، ويضع مصلحة الوطن فوق مصلحة الحزب والحركة والشخص والجماعة.
    فالسودان لا يحتمل أخطاء القادة مرة أخرى، ولا يحتمل أن تكون مصلحة الوطن ثمناً لمصالحة شخصية أو صفقة سياسية.
    إنها لحظة مراجعة وتبصير ومسؤولية تاريخية، وعلى كل من يتولى قيادة أو يشارك في صناعة القرار أن يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن الوطن باقٍ.
    فالحصة ليست للأحزاب، ولا للحركات، ولا للأشخاص…
    الحصة وطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى