محمد أحمد كباشي يكتب.. الطريق الدائري.. الي متي هذا البؤس؟

ما إن تودّع مدينة أم روابة، وأنت تتجه جنوباً نحو العباسية ورشاد وأبو جبيهة وصولاً إلى تلودي، حتى تبدأ رحلة أخرى من المعاناة.. رحلة لا تحتاج إلى كثير شرح، فالمشهد أمامك يتحدث بلغة الحفر والمطبات والردميات المتقطعة.
في فصل الخريف تحديداً، تتحول الرحلة إلى امتحان حقيقي للسائق والراكب معاً. هنا تظهر خبرة السائق في معرفة المنعطفات، وحفظ أماكن الحفر، ومعرفة أين تنتهي الردمية وأين يبدأ البحث عن مسار آخر أكثر أمناً.
تظل السيارة في حالة هبوط وصعود متواصل، وكأنها زورق صغير يتلاعب به موج هادر.. ومن بداخلها عليهم بالصمت، ليس لأن الطريق يمنع الكلام، ولكن لأن كل واحد منهم مشغول بمحاولة الحفاظ على توازنه!
ورغم قسوة الطريق، فإن الطبيعة من حولك تخفف شيئاً من وطأة الرحلة؛ مناظر خلابة، ومراعٍ مفتوحة، وقطعان من الماشية تنتشر على امتداد الطريق، وثروات زراعية وحيوانية ومعدنية وسياحية تكاد لا تُحصى.
وهنا تحديداً تبدو المفارقة المؤلمة:
كيف لمناطق بهذا الحجم من الموارد، وبهذه الإمكانات الاقتصادية، أن يخترقها طريق بهذه الحالة؟
كل مدينة وكل قرية يمر بها الطريق تحمل ميزة اقتصادية مختلفة. هذه مناطق إنتاج ومراعٍ وأسواق، وحركة تجارية تربط شمال كردفان بشرق وجنوب كردفان، لكنها في المقابل تظل أسيرة لطريق يبطئ حركة الإنسان والبضائع ويضاعف تكلفة النقل ويجعل الوصول إلى الأسواق رحلة شاقة.
ثم تأتي السياحة لتضيف فصلاً آخر إلى الحكاية.
وأنت تقترب من رشاد، تشعر أن الطبيعة هنا تقول إن شيئاً عظيماً يمكن أن يولد من هذه الأرض. الجبال والهضاب والوديان والخضرة الممتدة تجعل المنطقة واحدة من المشاهد الطبيعية اللافتة في كردفان.
لكن الحسرة تبلغ ذروتها عندما ترى هذا الجمال محاصراً بطريق لا يتناسب مع ما تملكه المنطقة من مقومات.
وبعد رشاد، تأتي مناطق أخرى مثل سوق الجبل، وتجملا وغيرها، ولكل منطقة خصائصها ومواردها وفرصها، وكأن الطريق يمر فوق كنز اقتصادي كبير دون أن يمنحه حقه في الوصول والانطلاق.
أما الشاحنات، فهي حكاية أخرى.
في الليل، ومع هدير محركاتها، تبدو وكأنها أطفال يصرخون في قلب الصمت.. أصوات متقطعة تشق سكون الطريق، ولا تعرف أحياناً هل هي شكوى من الحمولة، أم احتجاج على الطريق، أم مجرد صوت آلة تحاول أن تصل بسلام إلى وجهتها.
الطريق الدائري أم روابة ـ العباسية ـ رشاد ـ أبو جبيهة ـ تلودي ليس مجرد طريق للنقل والمواصلات؛ إنه شريان اقتصادي وسياحي واجتماعي، يربط مناطق واسعة ويخدم مجتمعات تعيش فوق موارد ضخمة.
والمطلوب ليس طريقاً يختصر المسافة على الخريطة فحسب، بل طريق يفتح أبواب الإنتاج والتجارة والسياحة، ويمنح هذه المناطق فرصة حقيقية لتضع ثرواتها في مكانها الطبيعي داخل الاقتصاد السوداني.
قطع شك..
مؤكد هذا الطريق استراتيجي ويمثل ذروة التنمية بالجبال الشرقية الثروات موجودة، والطبيعة موجودة، والناس موجودون.. وحده الطريق ما زال ينتظر من يمد إليه يد الإصلاح.. أيتها الحكومة اعيدي النظر كرتين وأولى الطريق اهتمام خاص وان ابي التمرد وفعل فعلته التي فعلها من قبل..
يا أهل الحبال فكروا ودبروا وليكن النفير الطريق لإصلاح الطريق رفعا للمعاناة وتفجيرا للطاقات الكامنة ولنا عودة




