آخبار

بين عصا واشنطن وجزرتها.. شراكة اقتصادية أم ابتزاز سياسي رخيص؟

تقرير: حواس نيوز

في تطور يكشف عجز الإدارة الأمريكية عن فرض رؤيتها على السودان بالقوة، طرح عضو الكونغرس جيم بيرد مشروع قانون لإقامة شراكة اقتصادية بين الخرطوم وواشنطن في مجالات الزراعة والتجارة والتعدين. لكن المشروع، الذي يبدو في ظاهره بادرة حسن نية، يحمل في طياته شرطاً ابتزازيًا مكشوفاً؛ إحراز “تقدم ملموس في حماية المدنيين تحت مظلة سلطة مدنية شرعية”.. وبشكل أوضح؛ إغراءات اقتصادية مرهونة بالموافقة على مقترحات واشنطن حول الهدنة وإعادة تموضع المليشيا، وعودة الكوكبة المدنية المشمولة بالرضا الأمريكي!

صيغة ليست جديدة!

لا جديد في هذه الصيغة سوى المقابل المطروح.. فمنذ أشهر، حاولت واشنطن- عبر “العصا”- فرض تسويتها المتمثلة مقترح هدنة الـ90 يوماً، وتوسيع حظر السلاح ليشمل الجيش والمليشيا معاً، ورفضت منح البرهان تأشيرة دخول لإلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.. لكن كل هذه الأدوات فشلت. الجيش السوداني واصل تقدمه في كردفان والنيل الأزرق، بينما ظلت المليشيا تتراجع.. رفض السودانيون المقترحات التي تمنح المتمردين شرعية سياسية. فما كان من واشنطن إلا أن تخفض العصا وتنتقل إلى “الجزرة”.

من يستفيد من هذه الشراكة؟

النص التشريعي المقدم للكونغرس يشمل قائمة طويلة من الموارد: الذهب، اليورانيوم، النفط الخام، الكروم، الحديد، النحاس، المنغنيز، الزنك، الفضة، النيكل، والصمغ العربي!.. أي أن واشنطن لا تريد مساعدة السودان على النهوض بقدر ما تريد ضمان وصول شركاتها إلى هذه الثروات.. ومع ذلك تشترط أن تأتي هذه الثروات عبر “حكومة مدنية” ترضيها.
لكن من هي هذه الحكومة المدنية التي تريدها واشنطن؟ الإجابة معروفة: عبد الله حمدوك وتحالف “صمود”.. فأي شرعية تلك التي تأتي بدون انتخاب سوى شرعية القطيع التي تسلقتها قحت.
واضح أن حمدوك بتحالفه المسمى صمود هو “الوريث” الذي تريده واشنطن وأبوظبي.. لكن الشعب السوداني لا يريد حمدوك ولا صمود وكل أطياف الجناح السياسي للجنجويد.. فمعركة الكرامة تمايزت فيها الصفوف بشكل لا يدع مجالاً للبس.

لماذا فشلت العصا؟

فشلت العصا لأنها انطلقت من افتراض خاطئ: أن الجيش السوداني ضعيف بما يكفي للاستسلام، وأن الدعم الإماراتي جعل المليشيا قوية بما يكفي للاحتفاظ بمكاسبها. لكن الواقع على الأرض قال كلمة أخرى. الجيش لا يكترث للضجيج ويتقدم في كردفان، ويقترب من دارفور، ولم تفلح في إثنائه عن سبيله شوكة الخاصرة التي وضعتها المليشيا بمعاونة إثيوبيا في النيل الأزرق.
المليشيا تتراجع، وتستهدف المدنيين بالمسيّرات لأنها عاجزة عن المواجهة. والشعب السوداني، رغم معاناته، يرفض بشكل قاطع إملاءات الخارج وحلوله الملغومة.
الأسوأ أن واشنطن، بدلاً من أن تستخلص الدروس، لجأت إلى “الجزرة” لتحقيق ما فشلت في تحقيقه بالقوة. تريد أن تشتري السودان بالمال المزيف، وتفرض عليه حكومة مدنية موالية، وتفتح أسواقه لشركاتها، وتنهب ثرواته تحت شعار “الشراكة”. لكن الشعب السوداني ليس سلعة، والثروات السودانية ليست هدية، والسيادة ليست ورقة تفاوضية.

ماذا يريد السودانيون؟

يريد السودانيون سلاماً عادلاً، لا شراكة مشروطة. يريدون محاسبة المجرمين، لا منحهم شرعية سياسية. يريدون حكومة تمثلهم، لا حكومة يفرضها عليهم الكونغرس. يريدون جيشاً وطنياً موحداً، لا تسوية توزع السلطة بين دولة ومليشيا.
وقد أثبت السودانيون، في تجربة الحرب، أنهم لا يخضعون للإغراءات. فمن راهن على انهيارهم، وجدهم صامدين. ومن راهن على تفتيتهم، وجدهم موحدين. ومن راهن على شراء ذمتهم، وجدهم يرفضون.

الجزرة لن تنفع

واشنطن تريد أن تقايض الثروات بالسياسة. تريد أن تمنح السودان “شراكة اقتصادية” مقابل حكومة مدنية يقودها من يمثلونها. لكن السودان ليس بحاجة إلى جزرة، بل إلى احترام. احترام سيادته، واحترام إرادته، واحترام شهدائه. والذين يريدون بناء علاقات حقيقية مع السودان، عليهم أولاً أن يعترفوا بحكومته الشرعية، ويحترموا جيشه الوطني، ويتوقفوا عن دعم من يقتلون شعبه. أما الذين يأتون بالجزرة ليشتروا ما فشلت العصا في انتزاعه، فليبحثوا عن بلد آخر يبيع سادته. السودان ليس للبيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى