الباقر عكاشة عثمان يكتب..السياسة بين ثبات الفكرة ومرونة الموقف

ليست السياسة طريقاً مستقيماً يسير على وتيرة واحدة، بل هي فن الممكن؛ تتقلب بتقلب الزمان والمكان، وتخضع لموازين المصالح الوطنية العليا. والسياسي الحقيقي ليس ذلك الذي يتجمد عند مواقفه، بل الذي يمتلك الشجاعة الكافية ليخلع ثوب الحزبية عندما يكون “الوطن هو الحصة”. فالسياسي الحادب على مصلحة بلاده، المتجرد من الأهواء، لا تحكمه الحزبية الضيقة ولا تقيده الشعارات الجامدة، وإنما ينطلق من بوصلة مصلحة الوطن. وعلى النقيض، نجد من تأسرهم أفكارهم وعقائدهم، فلا ينفكون عنها مهما تغيرت الوقائع، وكأنهم أسرى لماضٍ لم يعد صالحاً للحاضر.
وهناك فئة أخرى لا تقل خطراً، وهم السياسيون “المصنوعون” الذين يتمترسون خلف مواقفهم السابقة لا عن قناعة بل مكابرةً وخوفاً من النقد، فيعضدون تصريحاتهم القديمة حتى وإن ثبت خطؤها، متحدين ضمائرهم، ولو كان الثمن خراب الوطن بأكمله.
لقد كشفت هذه الحرب اللعينة معادن الناس؛ فأظهرت الخبيث من الطيب، وميزت بين من يتصالح مع نفسه فيتنازل من أجل الوطن، ومن ينازع ضميره لتحقيق مصالحه الخاصة. أما أولئك الذين اختاروا الارتماء في أحضان الخارج فقد غبشت بصائرهم، ولم يعودوا جديرين حتى بالنقاش.
وفي خضم هذا الواقع، فإن التجارب الناجحة في تاريخنا السياسي لم تقم على الإقصاء بل على التجميع الواعي؛ كما حدث في تجربة الاتحاد الاشتراكي، حين اجتمعت فيه مختلف التيارات السياسية؛ فشارك منصور خالد وفاروق أبو عيسى (من الحزب الشيوعي)، والرشيد الطاهر بكر (إسلامي)، والشريف التهامي (حزب أمة)، ومجموعة كبيرة من شرائح المجتمع من العمال والمزارعين والمستقلين، بعد أن خلعوا ثيابهم الحزبية وارتدوا رداء الاتحاد الاشتراكي برئاسة الراحل جعفر نميري، وانخرطوا في مشروع وطني جامع قاد المرحلة بحد أدنى من التوافق.
واليوم، نحن في حاجة ماسة إلى ذات الروح؛ روح التجرد والانتماء للوطن قبل الحزب، فكل من خلع عباءة الحزبية والقبلية وانحاز إلى السودان ينبغي أن يُستفاد من خبراته؛ فالأوطان لا تُبنى بالإقصاء بل بتراكم الخبرات وتكاملها. إن تعيين شخصيات وطنية بناءً على مواقفها الداعمة للوطن في هذه المرحلة، يمثل رسالة مهمة للداخل والخارج بأن السودان يسع الجميع، وأن معيار المشاركة هو الموقف الوطني لا الانتماء الضيق السابق.
أخيراً.. سيبقى الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الأحزاب، وأسمى من الأشخاص. ومن لم يتسع صدره للوطن فلن يتسع له التاريخ، ومآله إلى مزبلة النسيان.
كسرة:
نثمن المواقف الوطنية للدكتور محمد جلال هاشم، والأستاذ محمد فريد. والرحمة والمغفرة للفقيد حيدر خير الله.







